أسطورة « إفيجينيا » في المسرح الغربي

Le mythe d’« Iphigénie » dans le théâtre occidental

The myth of “Iphigenia” in the occidental theater

نصيرة بليليطة

Citer cet article

Référence électronique

نصيرة بليليطة, « أسطورة « إفيجينيا » في المسرح الغربي  », Aleph [En ligne],  | 2020, mis en ligne le 30 juillet 2020, consulté le 09 août 2020. URL : https://aleph-alger2.edinum.org/2492

تعدّ الأسطورة وعاء لا ينضب، تغذّى على ثماره كثير من الأدباء في كلِّ زمان ومكان، وخلدّوا بذلك أعمالا إبداعيّة رفيعة، تحمل رسالة سامية.

ومن هذه الأساطير أسطورة « إفيجينيا »، الّتي كانت مددا للعديد من الشعراء والكتّاب، يستمدّون منها مادتهم وموضوعاتهم، ليعالجوا من خلالها قضية من قضايا المجتمع والإنسان.

تنتمي أسطورة « إفيجينيا » إلى مجتمع قد تجمعنا به بعض الملامح المشتركة، لكنّه -في أغلب ملامحه بعيد عنّا في الزّمان والمكان، ومن ثمّ فهي لا تثير فينا الوشائج، الّتي تشدّنا إلى التراث، إلاّ بالقدر الّذي يسمح به المعنى الإنساني العام للتراث.

لذلك سيسعى هذا المقال إلى محاولة تبيين الحضور الأسطوري الإغريقي في المسرح الغربي.

L’influence du mythe d’Iphigénie sur la littérature européenne Le mythe est une source inépuisable pour de nombreux écrivains qui en ont été inspirés à travers les âges et dont les chefs d’œuvres portent un message noble.

Parmi ces mythes, il existe un mythe appelé « Iphigénie », lequel mythe a inspiré de nombreux écrivains et poètes et a constitué une référence pour leurs œuvres et leurs poèmes afin d’exprimer leur point de vue sur différents problèmes sociétaux et humains.

Le mythe d’Iphigénie appartient à une société avec laquelle nous partageons certains traits, mais qui est dans la plupart de ses traits – bien loin de nous en temps et en lieu, et ne créant donc les liens qui nous attirent vers l’héritage, que dans la mesure que permet le sens humain et général de l’héritage.

A cet effet, nous tenterons par le présent article de montrer la présence du mythe grec dans le théâtre européen.

The influence of the myth of »Iphigenia « on European literature The myth is an inexhaustible resource by witch many writers have been inspired across ages and times, and whose high-level creative works carry a noble message.

Among these myths, there is a myth called »Iphigenia « , that it has been an inspiration to many writers and poets, and a reference for their works and poems in order to express their point of view on different societal and human issues.

The myth of » Iphigenia «  belongs to a society, with whom we share some common features, but which is in most of its features - far from us in time and place, and therefore it does not raise the bonds that draw us to the heritage, only to the extent allowed by the heritage general human meaning.

For this reason, we will try by the present article to show the Greek legendary presence in the occidental theater.

مقدمة

الأدب، الثقافة، الإبداع، كلّها أسماء تدلّ على إنتاج عقلي لأشخاص قد أثّروا فيمن حولهم، وقد يمتدّ ذلك التّأثير ليصل إلى أجيال وأجيال. من هذا المنطلق، نرى أنّ الإبداع العقلي لا تقيِّده حدود أو تكبِّله قوانين، بل إنّه حرّ يتجولّ كيفما يشاء من جيل إلى آخر، ومن مجتمع لنظيره، ومن حضارة لأختها. وقد تتغلبّ دولة على أخرى بالقوة العسكرية، إلاّ أنّه قد تتغلبّ أخرى بالثقافة، وهو حال الدّولة اليونانية، الّتي أثّرت على الأدب الروماني وآداب عصر النّهضة الأوروبية، بما زخرت به من آداب مليئة بالأساطير، الّتي ظلّت على امتداد أزمان بعيدة معينا لا ينضب للعديد من الأدباء والشعراء، الّذين حاولوا أن ينسجوا من هذه الأساطير، ويصنعوا منها صوراً معبِّرة عن روح عصرهم، من هنا يتضح أنّ الأسطورة ليست إضافة إلى الفكر الإنساني فحسب بل هي جزء مهِّم في هذا الفكر.

وتعدّ أسطورة « إفيجينيا » واحدة من الأساطير الإغريقية، الّتي جذبت أقلام كتّاب المسرح، فمنذ عصر النّهضة وأقلام المسرحيين العالميين تتداول هذا الموضوع، كما فعل « يوربيديس » في « إفيجينيا في أوليس» و« راسين » في « إفيجيني» و« جوته » في « إفيجيني في توريد»، الّذين وجدوا فيها خير معين لتوصيل أفكارهم ووجهات نظرهم، من خلال خلقهم لمسرحيات استقطبت اهتمام القارئ قبل المشاهد.

لقد اختلفت كل مسرحية عن الأسطورة الأصلية، كما اختلفت فيما بينها، رغم أنّها التقت في العديد من النقاط الرّئيسة، الّتي تدور حولها الأحداث الكبرى في الأسطورة.

نسعى من خلال هذا المقال إلى التعرّف على أشكال توظيف أسطورة « إفيجينيا » في المسرح الغربي من خلال الإجابة عن الإشكالية الرئيسة الآتية : ما الغرض الدرامي من توظيف هذه الأسطورة في المسرح الغربي؟ أين تكمن نقاط الالتقاء والاختلاف بين المسرح الغربي والأسطورة؟ وعليه تهدف الدِّراسة إلى :

  • تسليط الضوء على الأدب الإغريقي.

  • محاولة تتبّع تأثير أسطورة « إفيجينيا » في الأعمال المسرحية الغربيّة، لنرى مدى محافظة كلٍّ منهما على الأسطورة ومقوِّماتها، وسبب المحافظة وعدمها، لابدّ أن نعطي ملخصا للأسطورة وأصلها ورواياتها.

اعتمدنا في هذه الدِّراسة على الطريقة الوصفية التّحليليّة ضمن إطار منهجي مقارن فرضته طبيعة الموضوع القائم على مقارنة نصين مسرحيين.

1. مضمون أسطورة « إفيجينيا »

بحسب الميثولوجيا الإغريقية القديمة « إفيجينيا » Iphigénie، هي سليلة الأسرة الأتريدية Atride. ولذلك، كان لزاما أن نذكر ما تقوله الأساطير عن بيت « أتريوس » Atreus الّذي لم يكن بيتا ملعونا ولا ملوثا، إلاّ أنّ القدر اختصّ أبناء هذه الأسرة بكيده، لأنّ أفعالهم وجرائمهم هي الّتي جرّت عليهم هذه اللّعنة.

فقد كان هناك رجل يدعى« بيلوبس » Pélops له ولدان، أحدهما « أتريوس » والآخر«  ثايست » Thyste، اللّذان تخاصما،لأنّ هذا الأخير أفسد زوجة أخيه « أتريوس ». ونتيجة لهذا الفعل أصبح كلّ واحد منهما يخفي عنادا للآخر، ترتبّ عنه انتقام « أتريوس » من أخيه انتقاما شنيعا حفظته ذاكرة التّاريخ؛ فقد قام بذبح ثلاثة من أبناء أخيه، ثمّ أقام له مأدبة من لحم بنيه. وبعد أكل « ثايست »، حمل إليه « أتريوس » رؤوس أولاده وكشف له حقيقة الطّعام الّذي تناوله (غريمال 1982 : 72/73 ). فـ « حلّت اللّعنة على آل أتريوس عقابا لهم على هذه الجريمة النكراء وغدت أسرتهم ملوثة جيلا بعد جيل» (عوض1964 : 6).

أمّا مضمون الأسطورة، فنحاول أن نوجزه كالآتي :

نزل « باريس » ضيفا على « مينيلاوس » الّذي استقبله بحفاوة كبيرة، غير أنّ « باريس » بعد غياب « مينيلاوس » رحل إلى طروادة ومعه « هيلانة » زوجة هذا الأخير، بعد أن انجذبت إلى« باريس » بإرادة إلهة الحب « أفروديت ». عندها استدعى« مينيلاوس » أخاه، وقررّ تذكير ملوك اليونان بالوعد، الّذي قطعوه على أنفسهم قبل زواج « هيلانة »، والمتمثِّل في مساندة الرّجل، الّذي تختاره هذه الأخيرة، فوفّوا به مساندين« مينيلاوس »، لاسترداد شرف اليونان المسلوب، و اتّخذ قرار جعل « أجاممنون » « ملك الملوك».

وحين همّ الأسطول اليوناني بالإبحار من ميناء « أوليس» Aulis هبّت ريح الشمال العاصفة، وهاج البحر، وارتفعت الأمواج الهائلة، ودمرّت الرّياح بعض السّفن الإغريقية، وأصبح الأسطول الإغريقي في خطر عظيم.

فشاع القلق والسّخط الشّديد في نفوس البحّارة، واستولى الذّعر على قادة الحملة، عندئذ لجأ قادة الإغريق إلى العرّاف « كالخاس » الّذي أعلن أنّ السّبب هو غضب الربّة « أرتميس »، ولن يهدأ غضبها إلاّ بعد أن يقدِّم القائد الإغريقي « أجاممنون »، ابنته « إفيجينيا »، أضحية على مذبحها، وهنا اختلفت الروايات وتعددّت حول تعليل ذلك.

قِيل إنّ « أجاممنون »، خرج ذات يوم في رحلة صيد، فلمح أيلا جميلا وراح يطارده مع خيوله، إلاّ أنّ الأيل كان أسرع من الخيول، لكن ليس أكثر من تصميم « أجاممنون »، الّذي قرّر أن لا يعود إلاّ ومعه الأيل، وحدث ذلك، بعد أن أطلق « أجاممنون »، سهما أرداه قتيلا، فأفقدته نشوة النّصر عقله واتِّزانه، وراح يصيح -في زهو ممزوج بالغرور- أنّ ربّة الصّيد « أرتميس »، نفسها لا تستطيع أن تحقِّق النّصر العظيم الّذي حقّقه، فسمعت الربّة - بذلك- فغضبت عليه.

وهناك من يرى أنّ « أجاممنون »، قد عصى أوامر الإلهة « أرتميس » ذات مرّة، بذبحه عنزا مقدّسا كان منذورا لها فغضبت عليه.

وقِيل إنّ « أجاممنون »، كان قد نذر إلى الربّة « أرتميس » -في عام من الأعوام- أجمل فتاة تولد في ذلك العام. وحدث أن وُلدت ابنته « إفيجينيا »، وكانت أجمل الفتيات اللائي وُلدن ذلك العام. ثمّ تناسى أو نسي« أجاممنون »، ما كان قد نذر به للربّة « أرتميس ».

وقِيل أيضا، أنّ الربّة « أرتميس » لم تكن غاضبة من « أجاممنون » نفسه، بل غضبت من والده « أتريوس »، الّذي كان قد نذر لها حملا نادر الوجود، ثمّ لم يوفِ بوعده و خدع الربّة، فلعنته وورث « أجاممنون »، اللّعنة عن والده.

تباينت الروايات، والنتيجة واحدة تضحية « أجاممنون »، بابنته العذراء«  إفيجينيا »، للربّة « أرتميس ».

رفض واستنكر« أجاممنون »، ما قاله العرّاف، ومن هنا، رفض ما طلبته الربّة. اشتدّت قوّة الرّياح وازدادت خسائر الإغريق، عندها توسل قادة الإغريق إليه في محاولة منهم ليثنوه عن عزمه. وعندما لم تنجح محاولاتهم، هدّدوه بالانضمام إلى حلفاء آخرين وإبعاده عن الحملة علّه يعود إلى رشده، إلاّ أنّ كلّ هذا لم يؤثِّر على « أجاممنون »، فتدخّل شقيقه « مينيلاوس »، مستحلفا إيّاه برأس والدهما « أتريوس »، وانضمّ إليه « أوديسيوس »، الّذي صوّر لـ« أجاممنون »، المجد الّذي ينتظره عند عودته منتصرا من طروادة. هنا بدأت حيرة « أجاممنون »، الممزوجة بالتساؤلات المحيرة : هل يذبح ابنته بيده إرضاءً للربّة « أرتميس »؟ هل يذبحها دفاعا عن شرف أخيه؟ هل يذبحها ليحقِّق المجد لنفسه؟ هل يذبحها من أجل تحقيق كلِّ ذلك؟ ليوافق « أجاممنون »، بعد كلِّ هذا الصِّراع النّفسي على التّضحية بابنته « إفيجينيا »، وإن لم يكن مقتنعا تمام الاقتناع.

فأرسل رسالة إلى زوجته « كليتمنسترا » Clytemnestra مع « أوديسيوس » و« ثالثوبيوس ». أنّ بطل أبطال الإغريق « أخيل »، يطلب يد ابنتك « إفيجينيا »، وما عليك سوى الحضور إلى« أوليس» معها،لإتمام مراسيم الزّفاف، إلاّ أنّ « أجاممنون »، أحسّ -على الفور -أنّه ارتكب ذنبا، فكتب خطابا آخرا يطلب منها عدم الحضور إلى« أوليس»، لكنّه لم يكن يعلم أنّ قادة الإغريق يراقبون كلَّ تحركاته وأنّ رسوله قد وقع في يد « مينيلاوس ».

ولم يعلم بذلك، إلاّ حين وصلت زوجته و ابنته. هنا عاودته الحيرة من جديد، وحاول أن يصارح زوجته بالحقيقة، لكن القادة الإغريق كانوا له بالمرصاد.

ولم تعلم « كليتمنسترا »، بالحقيقة إلاّ عندما علِم « أخيل »، الزّوج المزعوم، الّذي يغضب غضبا شديدا ويثور عندما يعلم بهذه الحقيقة، فيهدِّد بالانسحاب من الحملة، ويرفض مطلق الرّفض أن تُساق فتاة بريئة إلى المذبح، وردّة الفعل نفسها نجدها عند « كليتمنسترا »، أمّا « إفيجينيا »، فكانت آخر مَن تعلم فانهارت ورفضت في البداية رفضا تامًّا أن تكون كبش فداء. ولمّا ترى عدد القتلى المتزايد في صفوف الإغريق تقتنع بتلك الفكرة، وتصمِّم على تنفيذها، وتصيح بأنّها سوف تقدِّم حياتها فداءً لوطنها، فتصعد مذبح الربّة « أرتميس » طائعة، حتّى ينجح الإغريق في الدِّفاع عن شرفهم.

وبالمقابل تهدأ ثورة الربّة « أرتميس »، ويذهب غضبها فتهدأ الرّياح،ويجمع الإغريق صفوفهم، ويستعدون للرّحيل من ميناء « أوليس» باتِّجاه « طروادة» (شعراوي 1992 : 337).

2. تأثير أسطورة « إفيجينيا » في المسرح الغربي

1.2. تأثير أسطورة « إفيجينيا » في المسرح الإغريقي

انطلاقا من قول« محمّد غنيمي هلال »، أنّ الأساطير الكبرى ترمز إلى حقائق اجتماعيّة تؤثِّر في الفنِّ وتحتوي على عنصر هامّ هو وحدة الوجود الإنساني في جوهره (غنيمي دت : 334 ). فإنّ أسطورة « إفيجينيا »، واحدة من هذه الأساطير، الّتي حفِل بها التراث الإنساني، والّتي ما فتئت تلهم الفنّانين والكتّاب على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم.

لقد ذاعت هذه الأسطورة وعرفت طريقها إلى الآداب العالمية، بعد أن ألهمت مبدعين كثيرين في المسرح والرّسم والموسيقى. وهي أسطورة حظيت باهتمام أدباء من العصر الحديث، كان لهم شأن في الأدب العالمي، فضلا عن حضورها القوِّي في آدابهم المحلِّية القوميّة.

فقد لقيت هذه الأسطورة صدى كبيرا في كتب الغرب والشرق قديما وحديثا، ومنحت أبعادا كثيرة ومتباينة؛ بحيث لم يبق من القصّة إلاّ هيكلها العام لأعمالهم الأدبيّة، وأوّل من تحدّث عنها « أوفيد »، في كتابه « مسخ الكائنات».

غير أنّ عددا من الدارسين أشاروا إلى وجود نصوص مسرحية يتصِّل أغلبها بأسطورة « إفيجينيا »، أو تعالج بعض الجوانب منها، وتركِّز على بعض أحداثها، أو تعرض لها من زاوية معيّنة.

ومن هذه المسرحيات مسرحية « أجاممنون»، للشاعر التراجيدي « إسخيلوس ». ففي مسرحيته هذه، الّتي هي جزء من الأوريستيا : حاملات القرابين، ربّات العذاب (أرسطو 1999 : 99 )، يُقتل « أجاممنون »، من طرف زوجته « كليتمنسترا  »، وعشيقها « إجستوس »Aegisthus بحجّة الانتقام لابنتها « إفيجينيا »، الّتي ضحّى بها قربانا للربّة «  أرتميس » (إسخيلوس 1989 : 61-62). تبكي قاتلها قائلة :

« ثمّ على جسده الصّريع
وجّهت أنا الضربة الثالثة،
وكأس شكري إلى زيوس جهنّم،
منقذ الموتى» (تومسن 1975 : 331).
إنّ المسرحيةبرمته - تظهر لنا الظّلم، الّذي وقع على « إفيجينيا » من جرّاء ظلم الآلهة لها على جرائم لم تقترفها...

ومن هنا، يتضِّح معنى الشاعر المتمثِّل في الثورة على الآلهة والعقائد، الّتي تُطيح بمقادير الشعب حسب هواها (حسين، 1992 : 29).

ويمكن القول إنّ « إسخيلوس »، اقتبس الأسطورة من عالمها القديم وأدخلها إلى عصره، من خلال اكتشافه لأبعادها الإنسانيّة.

يضاف إلى مسرحية « أجاممنون»، مسرحية أخرى وردت فيها إشارات إلى فعل التّضحية بـ« إفيجينيا »، هي مسرحية « إلكترا» لـ « سوفوكليس »، الّتي تتناول ثورة « إلكترا » على أمِّها، وعودة أخيها « أوريست »، الّذي يقتل أمّه وعشيقها انتقاما لوالده (الحاوي 1989 : 167-168).

لقد كرّست لنا هذه المسرحية مشهد التّضحية بـ« إفيجينيا »، من خلال« حوار إلكترا مع أمِّها» (حمدي دت : 24)، الّتي تذكِّرها بأنّ « أجاممنون » كان قد قتل أيلا، وخلال التّباهي الّذي لا يتوخّى الحذر ضايق « أرتميس »، ومن هنا، فإنّ هذه الربّة حجبت الرِّيح عن الأسطول اليوناني، فاضطرّ الملك إلى التّضحية بابنته « في ظلِّ كابح مرير» (كاوفمان 1993 : 249).

وما نقوله إنّ قصّة الأيل الطويلة، الّتي لا نجدها عند « هوميروس »، أو « إسخيلوس »، أو« يوربيديس »، يتِّم تقديمها لتبرئة الملك، وتشويه العمل الّذي اقترفته « كليتمنسترا ». هذا بالنِّسبة لكتّاب التراجيديا الإغريق، الّذين وردت في مسرحياتهم إشارات إلى أسطورة « إفيجينيا ».

أمّا الّذين وظّفوا أسطورة « إفيجينيا »، في أعمال مسرحية، وجعلوها المركز الّذي دارت حوله هذه الأعمال، نذكر منهم : « يوربيديس »، الشاعر الإغريقي الّذي كرسّ للأسطورة مسرحيتين : « إفيجينيا في أوليس»و« إفيجينيا في تاوريس»، الّتي كما يرى- « دانيال هنري باجو » « تركِّز على المأساة البشريّة» (هنري باجو دت : 156).

تعدّ مسرحية « إفيجينيا في أوليس» لـ« يوربيدس » آخر عمل له، ولم تُعرض إلاّ بعد موته عام 406 ق.م، ويُقال إنّ الشّاعر نفسه قد تركها غير كاملة ليكملها ابنه.

وفي هذه المسرحية يضطرّ « أجاممنون » - ملك الملوك- بناءً على ضغوط رجال الجيش، إلى أمر زوجته « كليتمنسترا » بالحضور مع ابنتها « إفيجينيا » إلى « أوليس»، حيث ترابط الأساطيل الإغريقية استعدادا للإبحار صوب طروادة على حسب « مينيلاوس »، الّذي تولّى مَهمّة إقناع الملك « أجاممنون » بضرورة تقديم الضحية ودبّر حيلة استقدام « كليتمنسترا » وابنتها، وهي أنّه سيتِّم تزويج هذه الأخيرة من « أخيل » بطل الأبطال الإغريقيين الّذي لم يكن يعلم شيئا عن الموضوع، وفي الحقيقة أنّه أرسل إليها ليضحِّي بها تحقيقا لنبوءة تفيد بأنّ هبوب الرّيح المرغوبة لإبحار الأسطول اليوناني إلى طروادة رهن بتضحيتهم بـ« إفيجينيا »، ابنة « أجاممنون » و« كليتمنسترا » على مذبح الربّة « أرتميس ».

تحضر« إفيجينيا » ومعها أمّها « كليتمنسترا »، وفي خيمة « أجاممنون » تلتقي هذه الأخيرة بـ« أخيل »، الّذي أتى يشكو طول وقوف الجيش، فتحكي له الخبر، وتنكشف حيلة « أجاممنون »، فيغضب « أخيل » لاستغلال اسمه دون علم منه ويقرِّر الدِّفاع عن « إفيجينيا » بعد ما طلبت « كليتمنسترا » منه ذلك. ويأتي الأب ليأخذ ابنته مدعيًّا أنّه يأخذها إلى حيث يعقد قرانها، فتكشف له « كليتمنسترا » المؤامرة وتوبِّخه، وتحاول دون جدوى إنقاذ فلذة كبدها بثنيه عن عزمه. ولكن « إفيجينيا » الفتاة الشابة، وبعد شيء من الترددّ الممزوج بالخوف تتقدم ببراءة العذارى وعن طيب خاطر متطوِّعة لكي تُذبح قربانا للآلهة فداءً لوطنها « هيلاس» Hélas. لكن هل سال دم « إفيجينيا » عند « يوربيديس » كما في الأسطورة ؟

إنّ خضوع « إفيجينيا » لقرار الآلهة ما هو إلاّ تعبير على تحامل « يوربيديس » على الأوضاع الاجتماعيّة السّائدة، الّتي استلبت وهضمت حقوق المرأة، لذلك نجده يشير إلى ذلك الاستلاب على لسان « إفيجينيا » في قولها : « ليس صوابا أن يدخل هذا الرّجل في نزال مع كلِّ أرجوس أو أن يذبح من أجل امرأة. رجل واحد أجدر بأن يرى نور الحياة من عشرة آلاف امرأة» (يوربيديس دت : 96).

وهو موقف يمكن أن نعدّه أخلاقيا من المرأة « إفيجينيا » اتِّجاه الرّجل، فهي أعطت بهذا التصرّف مثلا أعلى للآخرين في التّضحية والعطاء. تقول : « أمّاه، اسمعيني حين أتكلمّ، لأنّني أرى أنّك حانقة على زوجك بلا جدوى... و إنِّي لأودّ أن أقوم بتلك التّضحية في شرف نازعة عنِّي كلّ ما هو دنيّ...يا أمّاه، وجهِّي أفكارك...إلى كلِّ هيلاس القويّة ترنو على عبور البحر يتوقف. كما عليّ تدمير طروادة...» (يوربيديس دت : 95).

هو الأمر الّذي جعله يدعو إلى ضرورة تحرير المرأة من ربق العبودية، بمنحها حقوقها الإنسانيّة مثل الرّجل، لتعيش حياة هنيئة تتقاسمها مع الرّجل. وقد ذكر « بركليس » Périclès في خطبته الثانية أنّ « خير امرأة من لا يدور ذكرها بين الرّجال بخير ولا شرّ» (فخري 1997 : 359)، حيث عاشت المرأة الأثينية في القرن الخامس والرّابع قبل الميلاد، حياة منعزلة محرومة من بعض حقوقها، فظلّت حبيسة البيت، غير متعلِّمة.

نشاهد عند « يوربيديس » « الإكس ماشينا» الّتي تُطلع لنا إلها مفاجئا يعيد الأمور إلـى نصابها، ويدع الفاجعة تنتهي نهاية نظرية أكثر ممّا هي واقعية، من خلال تبادل الأدوار بين الضحية الإنسانيّة والضحية الحيوانية، ليصبح « جسد إفيجينيا جسد الغزالة، كما أصبح جسد الغزالة جسد إفيجينيا» (كير 2003 : 63)، محقِّقة بذلك المجد لوالدها، يقول الرسول لـ« كليتمنسترا » :« ...فبلا شكّ طارت ابنتك نحو الآلهة،... وكُفِّي عن السّخط على زوجك، ليس للبشر أن يعلموا مقدّما بأفعال الآلهة، ومن يحبِّه الإله يحفظه، لقد شهد اليوم ابنتك ميتة و مبعوثة حيّة من جديد» (يوربيديس دت : 04-105).

2.3. تأثير أسطورة « إفيجينيا » في المسرح الفرنسي

لقد عرفت فرنسا مسرحية بعنوان« إفيجيني» لـ « روترو »Rotro (1640م)، الّذي يذكر التّاريخ أنّها وصلت إلى « راسين » حيث استخدمها، ولكن في حدود ضيِّقة، أخذ منها على سبيل المثال فكرة إدخال شخصية «  أوليس » بدل « مينيلاوس ».

كما كتبا اثنين من معاصري«  راسين »، وهما « لوكلير »Leclerc ، و« كورا » Coras مسرحية بالاسم نفسه، وذلك بعد نجاح مسرحية « راسين. لتصبح شخصية  «إفيجينيا» ، « أناشيد للبشريّة الفاضلة» (هنري باجو دت : 156)، يُحذف منها المعنى الدِّيني اليوناني.

إذا كان الأدب التّمثيلي لم يزدهر إلاّ عندما استمدّ مادته وأصوله من الآداب الإغريقية واللاتينية القديمة، فمعنى ذلك أنّ أسطورة  «إفيجينيا»  واحدة من هذه الآداب، الّتي تناولها الكتّاب والشعراء الغربيين، وعلى رأسهم :  «راسين»  في مسرحيته « إيفيجيني» (حسب ترجمة  «مصطفى ماهر» )، الّتي « عُرضت أولّ مرّة في ترفيهات فرساي الّتي أمر بها الملك بعد عودته من فتوحات فراش - كونتيه la Franche-Conté يوم السّبت 18 من أوت 1674م، وهذا اليوم الّذي قدمّ فيه  «غورفيل»  Gorville المبعوث من طرف الملك كوندي Condé للويس الرّابع عشر 107 علم لفوزهم على الأمبرياليين ، الإسبان والهولنديون في معركة سناف «(Racine1998 : 158).

وقد وصف  «مركيرغالو»  Mercure Galant المكان الّذي قدِّمت فيه  «إفيجينيا»  بأنّ

« الزخرفية فيه كانت تمثّل ممرّا طويلا من الاخضرار، ومن كلتا الجهتين عيون ومغارات في غاية الإتقان فوقها أقلال من الزخرف مملوءة بالأزهار، وكانت أحواض العيون من الرّخام الأبيض مسندة مذهّبة. وفي هذه الأحواض أحواض أكثر علوّا تحمل تماثيل كبيرة من ذهب. وينتهي ذلك الممرّ في آخر المسرح بخيمات لها علاقة بالخيمات الّتي تغطِّي الأوركسترا. ويبدو بعد ذلك ممرّا طويلا هو نفسه ممرّ لورانجري، وفي جانبيه أشجار كبيرة من البرتقال والرّمان متشابكة في أقلال من الخزف مملوءة بأزهار مختلفة. وينتهي هذا الممرّ ببوابة من الرخام والأعمدة الّتي كانت تحمل المنحدر من الأحجار النّفيسة. وكانت الباب تبدو من فضّة»  (Le Maitre : 226).

وربّما كان يرمي من وراء ذلك أن يصبّ أسطورة  «إفيجينيا»  في قالب جديد، رغم أنّه « أكدّ في المقدِّمة على ضرورة ارتكاز نجاح التراجيديا على العناصر اليونانية» (بورغال 1980 : 133).

فألفّ  «راسين»  هذه التراجيديا، الّتي كانت تحمل أفكار التّضحية الّتي كانت تطفو في الهواء. الأمر الّذي جعلها تلقى نجاحا عظيما، بتحريكها لنفوس المشاهدين الّذين ذرفوا العبرات. وحين أخرجت في باريس امتدّ عرضها أربعين مرّة في شهور ثلاثة، وكان قد انتخب  «راسين»  أثناء ذلك عضوا في الأكاديمية الفرنسية (1673م)، وبدا أنّ سعادته قد اكتملت.

ويؤكِّد هذه الحقيقة  «لويس راسين» ، الّذي يقول أنّه « يجهل كم مرّة عُرضت إفيجينيا، لكنّها ماضٍ باقٍ، لم يكن لها مثيل فوق المسرح. كنّا نجلس لوقت أطول نذرف الدّموع سواء أكانت دموع مأساة أو دموع حبّ» (Racine1998 : 160).

حتّى أنّ مرّات تمثيلها على المسرح الكوميدي فرانسيز La comédie française « قد بلغ وحده منذ عام 1680م حتّى اليوم ما يربو على الألف. كان آخر عرض لها يوم 19 من أكتوبر 1992م» ( Racine 1998 : 162-163).

وتدور هذه المسرحية حول تضحية  «ٲجاممنون»  بابنته  «إفيجينيا» ، فعندما كان الأسطول اليوناني المجتمع في « أوليس» على أهبة الإبحار إلى طروادة، عوّقت الآلهة الرّياح، الّتي طالبت بتقديم قربان لها من دم  «هيلانة» ، وبناءً على ضغوط  «أوليس» ، يضطرّ  «أجاممنون»  إلى أمر زوجته  «كليتمنسترا»  وابنتها بالحضور إلى « أوليس»، حيث ترابط الأساطيل الإغريقية، وكانت حجته في ذلك تزويج ابنته  «إفيجينيا»  من  «أخيل»  ملك ملوك الإغريق، غير أنّه يبعث برسالة ثانية مع  «أركاس»  يأمر بمنعها من المجيء.

لكن سيحدث العكس، فتصل  «كليتمنسترا»  مع ابنتها إلـى « أوليس» و «إريفيل»  سبية  «أخيل»  – الّتي جاءت لتسأل العرّاف  «كالخاس»  عن قدرها، وهناك تعلم الحقيقة بعدما تلّقت خطاب  «أركاس»  الثاني الّذي جاء فيه عدول  «أخيل»  عن الزّواج من ابنته، فترى  «كليتمنسترا»  أنّ هذا إهانة لكرامتها وكبريائها، وتأمر ابنتها بالرّحيل.

غير أنّ القدر يشاء أن تلتقي  «كليتمنسترا»  بـ «أخيل» ، الّذي يؤكِّد لها بأنّه فعلا يريد الزّواج من ابنتها ويريد معرفة مَن أطلق تلك الشائعة الخدّاعة حتّى ينتقم منه، عندئذ تذهب  «كليتمنسترا»  إلـى  «أجاممنون»  وتخبره بأنّ ما قِيل هو شائعة ليس إلاّ.

إلاّ أنّ الأمور الطيبّة لا تلبث أن تزول ويعكّر صفوها، وهذا ما حدث في هذه المسرحية من خلال إخبار «أركاس»   «أخيل»  و «كليتمنسترا»  و «إفيجينيا»  بالحقيقة، حقيقة أنّ  «أجاممنون»  ينتظر  «إفيجينيا»  لا لتزفّ إلـى حبيبها  «أخيل»  وإنّما ليضحِّي بها.

فتحاول الأمّ بذل قصارى جهدها لمنع زوجها، الّذي يرِّق لتوسلات زوجته، ويتراجع عن قرار التّضحية ويقرِّر إرسال زوجته وابنتها إلـى مدينة « أرجوس» Argos، غير أنّ الرحلة تفشل بسبب «إريفيل»  الّتي تخبر العرّاف  «كالخاس»  بأمر فرارهم. الأمر الّذي يضطرّ  «إفيجينيا»  في الأخير إلـى أن تضحِّي بنفسها رغم وعد  «أخيل»  لها بأنّها لن تموت، فتسير إلـى الموت في شجاعة واستكانة.

إنّ التّضحية بالإنسان متواجدة في المجتمعات البدائية، لكن هل كانت التّضحية بالبشر غريبة عن مسيحي القرن السّابع عشر؟ وهل كانوا يجهلون قصّة  «إبراهيم الخليل» ؟ وفـــــــــــــي ذاك الزّمان

« ألم تكن السيِّدة مونستبانde Montespan تعتقد أنّ دم الطفل المذبوح من قسِّيس شرِّير كان يؤمِّن لها حبّ الملك، وتخليصها من السيِّدة دي فونتج de Fontages ؟ ألم تكن السيِّدةde Montespan شخصا ذكيّا، روحانية، ذات طباع نقيّة وذات لغة جميلة؟ أو لو كانت السيِّدة de Montespan قد طُعنت في شرفها، فبالتّأكيد كانت لأيِّ سيِّدة أخرى نفس الحالة الذهنية» (Racine1998 : 243) .

فالمعتقد هو الذّوق السّليم، الّذي جعله يرفض إراقة دماء فتاة بريئة على المنصّة، وما إضافة شخصية  «إريفيل» ، إلاّ تحقيقا لذلك، وتجنّبا لمصرع الفتاة البريئة ورفضها لتدخلّ العجائب أو الخوارق، الّتي قد تجد لها قبولا في مسرح  «يوربيديس» ، بينما لا تجد لها القبول نفسه في مسرح  «راسين» . كما أنّ موت  «إريفيل»  –عنده- يعتبر غير مفجع، بل مطهِّر من جهة، وعقاب للأحياء الباقين من جهة ثانية. من هنا، كانت هذه النهاية تحمل الحلّ الأخلاقي العقلي، الّذي توافق فيه مع  «يوربيديس»  على الأقلّ فيما يخصّ عدم التّضحية بالفتاة، ذلك أنّ « الذّوق الكلاسيكي لباريس مطابق لذوق أثينا» (Racine1998 : 23).

لكن نهاية المسرحية تبدو غريبة بعض الشيء وعنيفة، والغرابة تكمن في مصرع «إريفيل»  أسيرة  «أخيل» ، الّتي أتت من « أرجوس» إلـى« أوليس» لتستفسر  «كالخاس»  عن قدرها، فمجيئها يتدخلّ فيه القدر، الّذي رافقها منذ ولادتها غير الشرعية من  «تيزيه»  و «هيلانة» . غير أنّ الدّخول المفاجئ لها سمح لـ  «إفيجينيا»  بالبقاء حيّة والزّواج من  «أخيل» ، الّذي تصالح مع  «أجاممنون» .

لذلك فإذا تجاوزنا تضحية الفتاة  «إفيجينيا»  لما هو أساسي « اغتيال سياسي لمصلحة أسرة مالكة ومصلحة وطنيّة» (Lemaitre : 243). سنفهم أنّ مسرحية « إفيجينيا»  «راسين» ، التّي كانت شخصياتها مخيّرة بين إحساس خصوصي وبين مصلحة عمومية كانت بامتياز« التراجيديا الملكية»(Lemaitre : 244) ، الّتي كان يناسبها بامتياز كذلك الديكور الموصوف من طرف  «ماركير غالو» .

3.3. تأثير أسطورة  «إفيجينيا»  في المسرح الألماني

لم يكن الاهتمام بموضوع  «إفيجينيا» ، مقصورا على الأدب الفرنسي وحده، فقد اهتمّ بها الأدب الألماني بنفس القدر تقريبا، إذ كتـب الأديب الألماني الشــهير «يوهان فولفجانغ جوته»  Goethe « إفيجيني في توريد» 1779م (أنجيلوز 1980 : 62).

وهو ما صرحّ به  «أندري جيد»  André Gide، في معرض حديثه عن أسطورة  «أوديب»  : « ولا أكاد أذكر من القصص اليوناني القديم، الّذي شغل به المحدثون شيئا تجاوز القرن السّابع عشر، والثامن عشر، إلاّ قصّة إفيجيني في توريس، الّتي عنى به جوته» (جيد 1986 : 18).

وقد كتب  «جوته» ، مسرحيته هذه نثرا، ثمّ حوّلها إلى شعر جميل عام1780م، ثمّ عاد عام1781م فغيّر النّص النثري مرّة ثالثة إلى النثر الخالص. غير أنّه عام 1786م، حمل معه مسودات المسرحية في رحلة إلى إيطاليا وقام بإجراء تعديلات عليها إلى أن اكتملت عام 1787م (الرشيد 1999 : 189).

وتتحدّث المسرحية عن  «إفيجينيا»، الّتي أنقذتها الربّة  «أرتميس»  من الموت بعد أن وقع الخيار عليها، لتكون أضحية للربّة الّتي تشفق عليها وتخطفها إلى « تاوريس»، حيث تصبح كاهنة عند الملك  «ثواس»، الّذي تحاول إقناعه بالتخلِّي عن فكرة التّضحية بالبشر إرضاءً للآلهة، فيوافق على ذلك بشرط أن تتزوجّ به.

وعندما يأتي أخوها وصديقه إلى مدينة « التاوريين»، تجد  «إفيجينيا»  نفسها بين اختيارين : إمّا أن تهرب مع  «أوريست»  وصديقه فتخون  «ثواس» . وإمّا أن تُطلع هذا الأخير على الحقيقة، فتختار الوفاء والإخلاص مستغيثة بالآلهة : أنقذوني وأنقذوا صورتكم في روحي !. ونتيجة لهذا الموقف الشجاع الملتزم بالفضيلة، يقتنع  «ثواس»  بفكرة العدالة الإنسانيّة ويترك  «إفيجينيا»  وأخاها يذهبان بسلام (روتمان 1989 : 80-81).

وقد لخصّ  «جوته»  الفكرة الرّئيسة في المسرحية بقوله : « إنّ الإنسانيّة الخالصة هي وحدها القادرة على التّكفير عن جميع ذنوب البشر» (روتمان 1989 : 81).

إنّ  «إفيجينيا»  ما هي إلاّ نتيجة للتجارب الواقعيّة، الّتي اكتسبها  «جوته»  من خلال علاقاته مع النّساء، سواء من أفراد أسرته أو أصدقائه في مدينة « فايمار» الّتي عاش فيها حتّى وفاته.

فـ «إفيجينيا» عند  «جوته»  « تعكس مرحلة من مراحل تطوّر البرجوازية في ألمانيا، وهو انتصار الخير والمُثل العليا، من خلال القوّة الكامنة في الإنسان. كما أنّها تزرع الخير والحبّ حولها كابنة ملك الملوك، لهذا فإنّ روحها مملوءة بالقوّة والرّحمة، الّتي تُنبئ عن الشجاعة والمسيحيّة» (Racine 1998 : 191).

هكذا، كانت أسطورة  «إفيجينيا»  موضوعا للتّفسير منذ عهد  «يوربيديس»  الإغريقي إلى  «جان راسين»  الفرنسي. والّذي لا شكّ فيه، أنّ كلّ تفسير استُمِّد من فلسفة الكاتب وعصره، لأنّه من غير المعقول أن ينفصل الكاتب عن عصره، وهو يحاول تفسير أسطورة قديمة.

. خاتمة

لعلّ ما يمكن استخلاصه في الأخير هو تثبيت جملة من النتائج، يمكن توضيحها في النقاط الآتية :

  • لقد ساهمت الأسطورة في تشكيل فضاء الأدب بأجناسه خاصة المسرح ، وهذا ما تبين لنا من خلال حديثنا عن مسرحية  «إفيجينيا»  عند  «يوربيديس»  و «راسين»  و «جوته» ، حيث إنّ  «يوريبديس»  تأثّر بالأسطورة اليونانية القديمة، وكذلك  «راسين»  و «جوته»  ، الّلذان تأثّرا بهذه الأخيرة وبمسرحية  «يوربيديس» .

  • إنّ قبول  «إفيجينيا»   «راسين»  بالتّضحية كان لتحقيق السّلام للكنيسة، أمّا قبول «إفيجينيا»  »يوربيديس»، فلاحظنا أنّه رفض للواقع الاجتماعي السائد آنذاك، الّذي كان هضم حقوق المرأة ميزته القارّة، حيث توصلنا إلى أنّه دعوة صريحة لتحرير المرأة من العبودية والقهر والظلم المسلّط عليها.

  • إنّ التعدّد في التّفسيرات الّتي قُدِّمت لأسطورة   «إفيجينيا» هو حصيلة للتّعامل الواعي مع هيكلها، والتّعبير عن القدرة في التّجديد المتحفظ داخل القصّة القديمة، وليس معنى ذلك تشويه الإطار الأساسي للأسطورة.

أرسطو. 1999م. فنّ الشعر. تر : إبراهيم حمادة. ط1. القاهرة : هلا للنّشر والتّوزيع.

أنجيلوز، جان فرنسوا. 1980م. الأدب الألماني. تر : هنري زغيب. ط1. بيروت : منشورات عويدات.

إمام، عبد الفتّاح إمام. دت. معجم ديانات وأساطير العالم. المجلّد الثاني.القاهرة : مكتبة مدبولي.

إسخيلوس. 1989م. مسرحيات إسخيلوس. تر : أمين سلامة. ط1. القاهرة : مكتبة مدبولي.

بورغال، كليمان. 1980م. جان راسين. تر : منى النجّار. ط1. بيروت : المؤسسة العربية للدِّراسات والنّشر.

جيد، أندري. 1986م. أوديب (ثيسيوس). تر : طه حسين. ط2.بيروت : دار العلم للملايين.

دانييل، هنري باجو . دت. الأدب العام والمقارن. تر :غسّان السيِّد. منشورات إتِّحاد الكتّاب العرب.

الحاوي، إيليا. 1980م. سوفوكليس والتراجيديا الإغريقية. ط1. بيروت : دار الكتاب اللبناني.

حمدي، ممدوح. دت. الدراما اليونانية. القاهرة : دار المعارف.

كمال الدِّين، حسين. 1992م. المسرح و التغيّر الاجتماعي في مصر. ط1. القاهرة : الدّار المصرية اللبنانية.

يوربيديس. دت. إفيجينيا في أوليس. تر : إسماعيل البنهاوي. مراجعة : أحمد عتمان. الكويت : وزارة الإعلام.

كاوفمان، والتر. 1993م. التراجيديا والفلسفة. تر : كامل يوسف حسين. ط1. بيروت : المؤسسة العربية للدِّراسات والنّشر.

كير ، وولتر. 2003م. الملهاة والمأساة. تر : عبد الرّحمان أمين. ط1. القاهرة : دار الأمين.

عوض، لويس. 1964م. المسرح العالمي(من إسخيلوس إلى أرثر ميلر). القاهرة : دار المعارف.

فخري، أبو السعود. 1997م. في الأدب المقارن ومقالات أخرى. مطابع الهيئة المصرية العامّة للكتاب.

الرشيد، عدنان. 1999م. الأدب الألماني من الكلاسيكية إلى الرومانتيكية. الرياض : مؤسسة اليمامة الصحفية.

روتمان، كورت. 1989م. تاريخ الأدب الألماني. تر : سليمان عوّاد. ط1. بيروت : منشورات عويدات.

شعراوي، عبد المعطي. 1992م. أساطير إغريقية (أساطير البشر). ج1. ط2. القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية.

تومسن، جورج. 1975م. إسخيلوس وأثينا دراسة في الأصول الاجتماعية للدراما. تر : صالح جواد الكاظم. بغداد : منشورات وزارة الإعلام.

غنيمي، هلال محمّد. 1975م. في النّقد المسرحي. بيروت : دار العودة.

غنيمي، هلال محمّد. دت. النّقد الأدبي الحديث. القاهرة : دار نهضة مصر.

غريمال، بيار. 1982م. الميثولوجيا اليونانية. تر : هنري زغيب. ط1. بيروت : منشورات عويدات.

Lemaître, Jules. 1908. Jean Racine. Calmann-Lévy, éditeurs.

Racine, Jean.1998. Iphigénie. Paris : préface et commentaires Annie Collognat-Barés

نصيرة بليليطة

قسم اللّغة العربيّة وآدابها، جامعة الجزائر (2)

© 2017 Aleph, langues, médias et sociétés