مقاربة هرمينوطيقية لترجمة مصطلحات المحبة في التصوّف :دراسة تأويلية لترجمة مصطلحات المحبة عند محي الدين بن عربي نموذجا

Approche herméneutique de la traduction de la terminologie amoureuse de Muhydinne Ibn Arabi

Hermeneutic approach to the translation of the love terminology of Muhydinne Ibn Arabi

ليندة لوناس Lounas Lynda

p. 11-32

Citer cet article

Référence papier

ليندة لوناس Lounas Lynda, « مقاربة هرمينوطيقية لترجمة مصطلحات المحبة في التصوّف :دراسة تأويلية لترجمة مصطلحات المحبة عند محي الدين بن عربي نموذجا », Aleph, 13 | -1, 11-32.

Référence électronique

ليندة لوناس Lounas Lynda, « مقاربة هرمينوطيقية لترجمة مصطلحات المحبة في التصوّف :دراسة تأويلية لترجمة مصطلحات المحبة عند محي الدين بن عربي نموذجا », Aleph [En ligne], 13 | 2020, mis en ligne le 20 avril 2020, consulté le 06 août 2020. URL : https://aleph-alger2.edinum.org/2202

يهدف هذا البحث إلى دراسة ترجمة المصطلحات الصوفية في موضوع « المحبّة» اعتمادا على أرضية فلسفية تتمثّل في فلسفة الهرمينوطيقا ولدراسة القضايا المتعلّقة بترجمة المصطلح الصوفي في موضوع المحبّة، وقع اختيارنا على محي الدين بن عربي ونسخته المترجمة إلى اللّغة الفرنسية والمعنونة : Traité de l’amour للمترجم موريس غلوتون (Maurice Gloton).

فتأكّد لنا بأن مبادئ « الهرمينوطيقا » بما فيها الدائرة التأويلية لـفريدريك شلايرماخر، والمتمثلة في فهم الكل انطلاقا من الجزء وفهم الجزء انطلاقا من الكلّ تشكّل إطارا نظريا يقود عمل المترجم لاقتحام عالم المحبة في التصوّف وبالتالي التمكّن من الوصول إلى المعنى المختبئ وراء ضبابية المصطلحات.

Cet article a pour objectif d’étudier la traduction de la terminologie amoureuse de Muhydinne Ibn Arabi à partir d’une approche herméneutique, considérant que celle-ci pouvait constituer un cadre théorique pour guider le travail du traducteur.

Il est ressorti de cette recherche que le Cercle herméneutique permet d’aborder la traduction de la terminologie amoureuse de Muhyi-d-dîn Ibn Arabi dans une vision plus large qui est sa doctrine sur l’Unicité (wahdat el wudjud), nous permettant ainsi de restituer la terminologie dans son ensemble originel , un tout indivisible.

The aim of this article is to study the translation of the amorous terminology of Muhydinne Ibn Arabi from a hermeneutical approach, considering that it could constitute a theoretical framework to guide the work of the translator.

It emerged from this research that the Hermeneutic Circle allows us to approach the translation of the amorous terminology of Muhyi-d-dîn Ibn Arabi in a broader vision which is his doctrine on “Oneness” (Wahdat el wudjud), thus allowing us to restore the terminology in its original whole, an indivisible whole.

مقدمة

إذا كان التصوّف حركة دينية إسلامية يعود ظهورها إلى ظاهرة الزهد التي برزت في القرن الأوّل الهجري، والتي تطوَّرت وأخذت مع مرور القرون شكل حركة فكرية وفلسفية، فإنّ اللّغة تشكّل الوسيلة التي يُعبِّر بها الصوفي عن تجربته الروحية.

ونظرا لاختلال التوازن بين اللّغة والتجربة، يتميز الخطاب الصوفي بالاستعمال الوفير للمصطلحات والرموز، والمحتويات المضمرة والمشتركات اللفظية وغيرها من الأساليب التي تضفي طابع الغموض على العبارات. وتعترض ترجمة هذا النوع من الخطاب، العديد من الإشكالات منها ترجمة المصطلح.

ومن بين المواضيع التي شهدت غزارة كبيرة في إنتاج المصطلحات لدى أهل التصوف نذكر هنا موضوع « المحبة »، إذ كان هذا الموضوع في قلب العديد من أعمالهم ونظرياتهم، ولذلك ارتأينا إلقاء الضوء على بعض القضايا المتعلّقة بترجمة المصطلح الصوفي.

ولدراسة القضايا المتعلّقة بترجمة المصطلح الصوفي في المحبّة، وقع اختيارنا على « محي الدين بن عربي »، المعروف بقطب اللّغة الصوفية1 وسنأخذ كعيّنة بعض المصطلحات التي جاءت في الباب 178 من موسوعته « الفتوحات المكّية » والمعنون بـــــ : « في معرفة مقام المحبّة » والذي تمّ ترجمته إلى اللغة الفرنسية، من طرف المترجم « موريس غلوتون » (Maurice Gloton)، وجاءت في كتاب تحت عنوان : Traité de l’amour.

وبالاستناد إلى ما تم ذكره نطرح في هذا المقال إشكالية ترجمة المصطلح الصوفي في المحبّة، بالتركيز على السؤال الآتي : ما هي الآليات التي تمكِّنُ المترجم من فهم ونقل المصطلحات الصوفية وجعلها تحمل معنى للمتلقّي الجديد بالرغم من طابعها المشفر ومن وجود فاصل زمني وثقافي شاسع بين زمن إنتاجها وزمن ترجمتها؟

وللإجابة عن هذا السؤال، قُمنا بصياغة فرضية عامة مفادها أن التأويل هو السبيل الوحيد الذي يمكّن « المترجم » من إيجاد طريق يوصله إلى الطبقات العميقة للمصطلحات الصوفية.

ولمعالجة موضوعنا هذا، والمتمثل في ترجمة المصطلحات الصوفية في المحبّة اعتمدنا على فلسفة الفهم والمسماة بــ« الهرمينوطيقا »، وذلك للكشف عن الآليات التي تمكّن المؤلفات القديمة من الدخول في وضعية معاصرة من خلال عمليتي التأويل والترجمة بدون فقدان معانيها بالرغم من التباعد الزمني والثقافي.

1. مفاهيم ومصطلحات

1.1. مفهوم المصطلح الصوفي

لتعريف المصطلح الصوفي تجدر الإشارة هنا إلى أن أهل التصوّف قد تفنّنوا في استعمال المصطلحات، ويتبين لنا ذلك من خلال ما قاله في هذا الموضوع «القشيري»: «.. .وهم يستعملون ألفاظا فيما بينهم وقصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم، والستر على ما بينهم في طريقتهم، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيعَ في غير أهلها. (القشيري 2006: 21). ويلتقي معه « الكلاباذي» في قوله التالي : « إن للقوم عبارات تفردّوا بها، واصطلاحات فيما بينهم لا يكاد يستعملها غيرهم. » (الكلاباذي 1993: 79). أمّا الشعراني فيقول في نفس الموضوع: « واعلم أنّ من صفات المحبين أنهم يتكلمون بلسان المحبة والعشق والسكر، لا بلسان العلم والعقل والتحقيق». (الشعراني 2006 : 228).

نستنبط مما جاء في مضمون أقوال هؤلاء القدماء عن مفهوم المصطلح الصوفي، ثلاث نقاط أساسية، وهي أن :

  • المصطلحات الصوفية تستهدف نقل تجارب روحية وحماية أنفسهم.

  • المصطلحات الصوفية خاصة بأهلها.

  • المصطلحات الصوفية ليست قائمة على العقل.

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن محي الدين بن عربي هو الآخر اعترف باستعماله لغة اصطلاحية إذ قال :

«واصطلح أهل الله على ألفاظ لا يعرفها سواهم إلا منهم، وسلكوا طريقة فيها لا يعرفها غيرهم، كما سلكت العرب في كلامها من التشبيهات والاستعارات ليفهم بعضهم عن بعض، فإذا خلوا بأبناء جنسهم تكلموا بما هو الأمر عليه بالنص الصريح، وإذا حضر معهم من ليس منهم تكلموا بالألفاظ التي اصطلحوا عليها، فلا يعرف الجليس الأجنبي ما هم فيه ولا ما يقولون ». (ابن عربي1/2011 : 424).

يتضح من هذا القول أن المصطلح عند محي الدين بن عربي لا يُستعمل فقط لنقل التجارب الروحية بل هو كذلك وسيلة يلجأ إليه هو و أهل التصوّف لحماية أنفسهم من الذين ليسوا منهم.

وفي هذا الصدد لقد أشارت « سعاد الحكيم » إلى أن« الصوفيين » قبل « محي الدين بن عربي » كانوا يعانون من حدود الحرف ومن عدم طاقته الاستيعابية لأبعاد تجربتهم، ومن عدم التطابق بين الحال المعيشة ومفردات اللّغة، كما أشارت إلى أن هذه الشكوى من حدود الحرف وعجزه وتقصيره لم تكن موجودة عند هذا الصوفي حيث كان يتمتع بطاقة غريبة في خلق المفردات. (أنظر : الحكيم1981 : 17).

هذا يعني أن « ابن عربي » كانت له موهبة كبيرة في ميدان اللّغة وفصاحتها، مكّنته من خلق لغة ديناميكية وثرية في حين أن الصوفية قبله شكوا عن عجز اللّغة عن التعبير بوفاء عن تجاربهم.

2.1. الهرمينوطيقا

تشير لفظة «Herméneutique» بالتعبير الفرنسي إلى كلمة اليونانية الكلاسيكية « Hermeneus » (هرمس)، وكلمة « Hermeneus » (هرمس) تعنى « المفسر » أو « الشارح ». وفي الأسطورة اليونانية كان «هرمس» عبارة عن رسول ينقل إلى الناس في الأرض رسائل وأسرار آلهة الأوليمبوس (Olympe) بكلمات مفهومة. (جاسبر 2007: 19). وقد تبلورت نظرية «الهرمينوطيقا » في الغرب في سياق الدراسات الإنجيلية و كان ذلك في عهد أباء الكنيسة (Pères de l’Église) القدماء، والقدّيس أوغوستين (Saint Augustin) الذي سعى في كتابه « حول العقيدة » (Doctrina christiana) إلى وضع تفكير منهجي بسبب التوتر الموجود بين ما يرِد في العهد القديم L’Ancien Testament حول تاريخ الخلاص للشعب اليهودي وبين الإعلان الخلاصي للمسيح الذي يتضمّنه العهدLe Nouveau Testament2

وعليه، ظلّت «الهرمينوطيقا » تهتم بالنصوص الدينية إلى غاية وصول المفكر الألماني « فريدريك دانيال أرنست شلايرماخر » (1834-1868) (Friedrich Daniel Ernest Schleiermacher) الذي يُعتبر أب « الهرمينوطيقا » الحديثة، إذ وضع لها أُسسا وطوّرها كعلم مستقل. (جاسبر 2007: 120)

3.1. الدائرة التأويلية

أسّس « فريدريك شلايرماخر » منهجية موضوعية تقود عمل المؤوّل، وهي تتكوّن من جانبين :

  1. الجانب الأول : وهو جانب التأويل الذي يقع على المستوى النحوي، ويطلق عليه اسم « الجانب النحوي للتأويل » (Aspect grammatical de l’interprétation)، ويتمثل في فنّ الكشف عن معنى محدد لخطاب معيّن انطلاقا من اللّغة واستعانةً بها، ولذلك نجد أن التأويل النحوي يتمثّل في إجراء فحص على مستوى المفردات باعتبارها علامات (signes) غير مقيّدة في النسق المطلق والافتراضي المتمثّل في اللّغة. وبعبارة أخرى يمكن القول هنا أن المؤوّل يعتمد أوّلاً على المفردات التي يعرضها النص له قبل أن يتوجه نحو المؤَلّف. فالتأويل هنا يتعلق بالعناصر التي تساعد المؤول على تحديد الموضوع قبل الاهتمام بالفكر الذي يكرسه للنص.

  2. الجانب الثاني : ويطلق عليه اسم « التأويل التقني »(Interprétation technique)، يقع على مستوى الفكر بغضّ النّظر عن اللّغة التي أُنتِج فيها وهذا باعتبار اللّغة مخزونا وُضِع في خدمة الإنسان والإبداع. فيهتمُّ المؤول هنا بنفسية المؤلف، أي بالجانب الذاتي للخطاب حيث يسعى إلى فهم معنى الخطاب كبنية متماسكة تندرج ضمن سلسلة أفكار المؤلف (Schleiermacher 1987 : 97).

وفي هذا الصدد يقول « شلايرماخر » أنه يستحيل فهم الجزء المتمثل في الفكر دون فهم الكل المتمثل في اللّغة التي تَشَكّل فيها هذا الفكر، وهذا ما يشكل لنا ما يسمّى بـــــ« الدائرة التأويلية ». (Cercle herméneutique) (Schleiermacher 1987 : 97)

وبناء على هذه المعطيات، نخلص إلى القول هنا : إذا كان الجانب الأوّل والمتمثل في التأويل يسعى إلى تحديد معنى الكلمات في اللّغة وفي إطار العلاقات الشكلية التي تخضع لها في الجمل، فإن الجانب الثاني من التأويل يسعى إلى تحديد المعنى انطلاقا من السياق الإجمالي أي في ظلّ تحيين هذه الكلمات في الخطاب، علما بأن هذه تتم من خلال الإحاطة الكاملة بالمؤلف وبحياته وبفكره. وبذلك يتبين لنا أن العمل التأويلي يتمثل في الربط بين موضوعية النص وذاتيته.

وبالاستناد إلى مقولة « فهم الأجزاء خاضع لفهم الكلّ »، فإنه يستحيل حسب نظر « شلايرماخر » فهم قول ما، دون فهم ما هو أوسع، وما هو أعمّ (أي اللّغة التي أُنتِج فيها)، ودون فهم الجانب الذاتي والشخصي لصاحب القول. وبذلك، تتمثل مهمة « المؤوّل » في إنشاء « علاقة دورية » بين الكل وأجزاءه.

في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن قاعدة التوجه من الكل إلى الجزء، وإلى التفاصيل تُعدّ أوّل مكسب للهرمينوطيقا العصرية (Ricœur 1969 : 66) التي أتى بها « شلايرماخر » وطوّرها الفلاسفة والمؤوِّلون الذين ساروا على خطواته أمثال « ويلهم ديلتاي » و« هانس غادامار » وغيرهما.

4.1. قراءة تأويلية لمفهوم « المحبّة » عند « محي الدين بن عربي »

انطلاقا من التوجهات النظرية والمنهجية لـ « فريديرك شلايرماخر »، نعتمد في هذه المقاربة التأويلية لمفهوم المحبة عند « محي الدين بن عربي » على فكرة أن كلّ خطاب يمثل فكر صاحبه لاعتبارها جد مهمة لفهم فكر« ابن عربي » والإلمام به.

وبناء ما ذكرناه نتطرق إلى عرض الأسس التي تقوم عليها نظرة « محي الدين بن عربي » في المحبّة، والمتمثلة في المبدأين الأساسيين، اللّذان يقودان فكره وهما :

  • المبدأ الأوّل : و يتمثل في ارتباط الرؤية الكونية لابن عربي بالمحبة، اذ يعتبر ابن عربي من خلاله أن الحب سبب لوجود الكون، حيث يرى أن الكون خُلِق بسبب الحب. وعبّر عن هذه الفكرة في مختلف محطات الفتوحات المكية، إذ استند إلى حديث «كنت كنزا لم أُعرف فأحببتُ أن أعرفَ فخلقت الخلق وتعرفتُ إليهم فعرفوني"، ليشرح نظريته في الحب فيقول في ذلك : «كان إيجاد العالم عن حب» (ابن عربي 2011/3 : 176).

  • المبدأ الثاني: ويتمثل إدراج ابن عربي لمفهوم المحبة في نظرية «وحدة الوجود» القائمة على فكرة أن الحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها وذاتها، ومتكثرة بصفاتها وأسمائها، وأنّها قدمية أزلية أبدية لا تتغير حتى و إن تغيرت الصور الوجودية التي تظهر فيها (أبو العلاء العفيفي في تعليق كتاب فصوص الحكم : 11) فالوجود كله واحد، ووجود المخلوقات عين وجود الخالق، ووجود الله هو الوجود الحقيقي. (الموسوعة العربية الميسرة 2010: 40).

من هذا المنطلق، يرى « ابن عربي » أن الله هو المحب في كل المحبين وهو المحبوب في كل المحبوبين. ويظهر هذا جليا في مختلف أقواله عبر الفتوحات المكية ومنها نذكر قوله الآتي : « فالعالم كله محب لله وجمال صنعه سار في خلقه والعالم مظاهره فحب العالم بعضه بعضا مذهب من حب الله نفسه، فان الحب صفة الوجود، وما في الوجود إلا الله ». (ابن عربي 2011/3 : 171). يؤكد « ابن عربي » في مضمون هذا المقطع المذكور أن كل أشكال الحب سببها حب الله لنفسه أولا والذي كان أصل الوجود.

2. التحليل

1.2. مصطلح « الحب»

1.1.2. النموذج والتعاريف

« الحب وهو خلوصه إلى القلب وصفائه عن كدورات العوارض فلا غرض له ولا إرادة مع محبوبه ». (ابن عربي 2011/3 : 484).

يرِدُ في قاموس لسان العرب «لابن منظور» : حُبُّ : نَقِيضُ البُغْضِ. والحُبُّ: الودادُ والـمَحَبَّةُ، وكذلك الحِبُّ بالكسر. ( ابن منظور/ 1 : 544).

كما يردُ: والحَبُّ: الزرعُ، صغيراً كان أَو كبيراً، واحدته حَبَّةٌ؛ والحَبُّ معروف مُستعمَل في أَشياءَ جَمة: حَبَّةٌ مِن بُرّ، وحَبَّة مِن شَعير، حتى يقولوا: حَبَّةٌ من عِنَبٍ؛ و الحَبَّةُ، من الشَّعِير والبُرِّ ونحوهما، و الجمع حَبَّاتٌ وحَبٌّ وحُبُوبٌ وحُبَّانٌ، الأَخيرة نادرة، لأَنَّ فَعلة لا تجمع على فُعْلانٍ، إِلاّ بعد طَرْحِ الزائد. وأَحَبَّ الزَّرْعُ وأَلَبَّ: إِذا دخَل فيه الأُكْلُ، وتَنَشَّأَ فيه الحَبُّ واللُّبُّ. والحَبَّةُ السَّوْداءُ، والحَبَّة الخَضْراء، والحَبَّةُ من الشيءِ: القِطْعةُ منه. (المرجع السابق: 546).

يتجلّى من هذه التعاريف أن لفظة «حب» في اللّغة العربية تُستعمل في ما يتعلّق بـ« المحبّة » وفيما يتعلق بـ« الزرع ».

وفيما يتعلّق بمصطلح «الحب» في التصوف فان تاريخ التصوّف حافل بعبارات الحب وبقصص الحب الإلهي. ويعتبر أهل التصوّف أنّ مقام المحبّة أصل كل المقامات مثلما جاء في قول ابن الدباغ، حيث قال: «اعلم أن المحبّة أصل جميع المقامات و الأحوال، إذ المقامات كلّها مندرجة تحتها. » (ابن الدباغ د.ت : 19).

ويعد مصطلح «الحب» عند ابن عربي اللّقب الأوّل من ألقاب المحبّة وأصل وجود العالم، اذ يرى أن الله هو المحب في كل المحبين، وهو المحبوب في كل المحبوبين على أساس نظريته القائلة بـ « وحدة الوجود».

وفي شأن النموذج الذي نحن بصدد دراسته، تشرح سعاد الحكيم قول ابن عربي، والمتمثل في «صفائه عن كدورات العوارض» قائلة :

«... وأمّا الحب فهو أن يتخلّص هذا الهوى في تعلّقه بسبيل الله دون سائر السبل، فإذا تخلّص له وصفا من كدورات الشركاء من السبل سمِيَ حبًّا لصفائه وخلوصه...وكذلك الحب في المخلوقين، إذا تعلّق بجناب الحق سبحانه وتخلّص له من علاقته بالأنداد...سُمِي ذلك حبا» (الحكيم 1981 : 303)، وبذلك فالحب عند ابن عربي هو إحساس عذب وخالص.

2.1.2. الترجمة اللّغوية للفظة «حب»

Image 1000020100000280000000F66226EC12.png

Image 10000201000002470000028059591614.png

3.1.2. ترجمة موريس غلوتون

« L’amour germinatif, séminal ou originel ( hubb ) dont la pureté pénètre le cœur et dont la limpidité n’est pas soumise aux altérations accidentelles. Il implique d’être désintéressé et d’abandonner sa volonté propre ( irâda ) devant celle du Bien Aimé (Mahbûb ) ». ( Ibn Arabi 1986 : 43 ).

من الوهلة الأولى، نلاحظ أن ا لمترجم لم يجد في اللّغة الفرنسية ما يعادل مصطلح « ا لحب» عند الصوفية في كلمة واحدة فلم يقع في الحرفية ولم يكتفي بوضع لفظة amour وحدها. ولم يختار المترجم أية لفظة من الألفاظ المقترحة في القاموس حيث ترجم مصطلح «ا لحب» بـــ«L’amour germinatif, séminal ou originel »، وأضاف النسخ الفونيتي ( hubb) ما بين قوسين.

إن ما قدمناه يعكس الجهد التأويلي للمترجم في ترجمة مصطلح» الحب « حيث استعان بالدلالة الثانية للفظة » حب « باللّغة العربية المتعلّقة بالحَبِّ « والحَبُّ : الزرعُ، صغيراً كان أَو كبيراً » (ابن منظور1 1/ د.ت : 546). وفي نفس الوقت حاول صياغة ترجمة توفي بمعنى المحبة والمتمثلة في قوله التاليL’amour germinatif, séminal ou originel» : « وأضاف النقل الفونيتي( hubb).

علاوة على ذلك، صحب ترجمته بهامش وَضّحَ فيه جذور لفظة « الحب » حيث قال :La racine H.B.B. , d’où est issu le nom hubb , signifie principalement aimer et produire des graines, d’où les substantifs hubb , amour et habb , graine, semence.. وشرح في هذا الهامش أصل لفظة « حب »، وهذا ما يعكس مدى اطّلاعه على قواميس اللّغة العربية للإحاطة بالأصل الذي تنحدر منه لفظة « الحب ». كما أضاف في الهامش نفسه الشرح الآتي :

L’amour spécifié par ce terme est l’amour séminal ou germinatif. La vertu génésique du germe développe l’efflorescence de l’être ou, selon un autre symbolisme, l’Arbre du Monde, par l’attraction de l’Amour que Dieu a d’être connu.

يظهر جليّا من خلال ما جاء في هذا الهامش أن المترجم تبنّى مسارًا تأويليا انطلاقا من دلالة الحَبُّ كـ » زرع « ليصل إلى « رمزية الشجرة» المعروفة في التصوف وعند ابن عربي وهي « شجرة الكون». وفيما يتعلّق بشجرة الكون لـــــ ابن عربي، نشير هنا إلى أن هذا الأخير ينظر إلى الأنبياء جميعا على أنهم أغصان من شجرة النور، و أن الحقيقة المحمّدية هي أصل هذه الشجرة. (مروة 2008: 210).

كما يتضمّن الهامش تلميح الى الحديث القدسي «كنت كنزاً مكنونا، فأردت أن أُعرف فخلقت الخلق «، وهو حديث كثير التداول عند الصوفية وعند ابن عربي. اذ يقول هذا الأخير أن الحب سبب خلق الكون».

خلاصة القول أن المترجم حاول من خلال ترجمة مصطلح «الحب» الذي يمثّل اللقب الأوّل من ألقاب المحبّة عند ابن عربي إلى اللّغة الفرنسية إدخال المتلقي الجديد في أعماق الفكر الصوفي وفكر ابن عربي، ولهذا الغرض لم يتردّد في وضع الهوامش التي كانت بمثابة وساطة بين القارئ والنص.

وما يلفت النظر هنا أيضا هو أن المترجم غيّرَ شكل المقطع المنقول وحوّله الى جملتين، غير أنّ هذا الأمر لم يدخل خلل في المعنى. وبذلك اتّسمت ترجمته بكثير من الحرية والتصرّف، وبتبنِّي موقف تأويلي واضح المعالم قائم على الأصل الذي ينحدر منه اللّفظ ومن دلالته في الفكر الصوفي وعند محي الدين بن عربي. وهنا نبرز الاتجاهين اللذين تكلّم عنهما شلايرماخر ونقصد هنا التأويل انطلاقا من اللّغة وانطلاقا من فكر ا لمؤلّف، ولو لم يعتمد المترجم على الهوامش ما كان هذا الأمر ممكنا.

2.2. مصطلح « العشق»

1.2.2. التعاريف 

يَرِدُ في قاموس لسان العرب لابن منظور : عشق : العشق : فرط الحب، وقِيلَ : هو عجب المحب بالمحبوب يكون في عفاف الحب ودعارته. عشقه يعشقه عشقا وعشقا وتعشّقه، وقيل : التعشق تكلف العشق، وقيل : العِشق الاسم والعشق المصدر، قال رؤبة : ولم يضعها بين فرك وعشق ورجل عاشق من قوم عشاق، وعشيق مثال فسيق : كثير العشق. وامرأة عاشق، بغير هاء، وعاشقة. والعشق والعسق- بالشين والسين المهملة- : اللزوم للشيء لا يفارقه. (ابن منظور : /2786). وبذلك، فالدلالة اللغوية للفظة »عشق« هي الافراط في المحبة.

وَجَدَ مصطلح « العشق» نصيبه في عبارات الصوفية، فيعرِّفه ابن الدبّاغ على أنه »أقصى درجات المحبّة وسائر مقامات المحبّة مندرجة فيه « (ابن الدبّاغ د.ت. : 96) ويقول فيه القشيري : »العشق مجاوزة الحدّ في المحبّة« (القشيري2006 : 213). هذا يعني أن العشق في التصوّف هو الافراط في المحبّة، فالدلالة الصوفية لا تبتعد كثيرا عن الدلالة اللغوية، الاّ أنها تتعلق بالحب الالهي أو العشق الالهي.

والعشق عند ابن عربي هو الافراط في المحبة، اذ استند بالآية {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} [البقرة/165]، قائلا فيها أن هذا الافراط في المحبّة هو العشق. هذا يعني أنّ ابن عربي تبنى الدلالة الصوفية التقليدية لمصطلح « العشق» بمعنى العشق الالهي. (أنظر : ابن عربي 2011/3 : 504).

2.2.2. النموذج 01 «العشق هو افراط المحبة3»

2.1.2.2. الترجمة اللّغوية 

Image 10000201000002800000019B7E2769A7.png

Image 10000201000001DD000002801611E126.png

2.1.2.2. ترجمة موريس غلوتون 

« La spiration d’amour (‘ishq) ou amour éperdu, amour extrême ou comble de l’amour ». (Ibn Arabi 1986 : 43).

لم يجد المترجم ما يوازي مصطلح «العشق» باللّغة الفرنسية فنقله بـالعبارة spiration d’amour (‘ishq) ou amour éperdu, amour extrême وأضاف ما بين قوسين النسخ الفونيتي لمصطلح « العشق» (‘ishq).

هذا يدلّ على حرصه على الابتعاد عن الحرفية، واصراره في ترسيخ مفهوم «العشق» في ذهن المتلقي اذ حاول تقريب هذا المفهوم من خلال تقديم ثلاث ترجمات لهذا المصطلح.

أوّلا، فيما يتعلّق بلفظة « Spiration » التي جاء بها المترجم، يَرِدُ في Le TLF التعريف الآتي :

SPIRATION, subst. fém. : THÉOL. Acte par lequel le Saint Esprit procède du Père et du Fils, dans la Trinité chrétienne. Synon. procession. L'esprit m'apparoissoit comme l'amour, l'effusion, la spiration mutuelle du père et du fils, les animant d'une vie commune, animant d'une vie permanente, complète, illimitée, l'être infini (LAMENNAIS, Paroles croyant, 1834, p. 274). (Trésor de la Langue française informatisé). (الرابط الثاني).

نفهم من هذا التعريف أن لفظة « spiration » تشكل مصطلح ينتمي الى عقيدة الثالوث في المسيحية وبمفهوم يتعلّق بالروح التي تنحدر من الأب والابن.

وبذلك يمكن القول أن المترجم لجأ الى مصطلح خاص بالديانة المسيحية لترجمة مصطلح «العشق» وأضاف اليه ترجمة شارحة(paraphrase).

وفيما يتعلّق بـ «amour éperdu» و « amour extrême »، فهما ترجمتان تُحِيلان الى فكرة الافراط في المحبة، فكل من صفة « extrême » وصفة « éperdu » تتضمنان فكرة « الافراط».

3.2.2. النموذج 02 « وأمّا العشق فهو افراط المحبة أو المحبة المفرطة4»

« Al ‘Ishq : le débordement d’amour, c’est l’excès d’amour ou le comble de l’amour (ifrât al- mahabba) ou l’amour débordant (mahabba mufrita) ». (Ibn Arabi 1986 : 123).

نقل المترجم مصطلح « العشق» في هذا المثال بـ « Débordement d’amour»  . يَرِد في Trésor de la Langue Française المعنى المجازي الآتي للفظة « Débordement » :

Au fig. Débordement de + subst. désignant des paroles, l'expr. d'un sentiment, une œuvre de l'esprit, etc. Quantité qui se répand à profusion, d'une manière subite et/ou violente. Débordement de haine, de paroles, de passions. Le Trésor de la Langue française informatisé.

هذا يعني أنّ لفظة « débordement » تتضمّن معنى التدفّق والفيض، وتلِيق بالمحبّة، وبما أن «العشق» هو الافراط في المحبة وتدفّقها، فهذه اللّفظة ملائمة الى حد كبير. كما قدم Le TLF المثال الآتي :

Été ! coulure d'or ; profusion ; splendeur de la lumière accrue ; immense débordement de l'amour ! (GIDE, Les Nourritures terrestres, 1897, p. 235). (Idem).

يرد في هذا القول المقتطف من كتاب Les Nourritures terrestres للمؤلف André Gide لفظة« Débordement » مع لفظة « amour »، وهذا ما يؤكّد صحة اختيار المقابل من قِبل المترجم.

اضافة الى ما تقدّم، جاء المترجم بالملاحظة الآتية في الهامش :

Au chapitre II, nous avons traduit le terme ‘ishq par spiration d’amour en fonction d’une acception étymologique qu’Ibn Arabi avait mis en évidence. Dans le mouvement spiroïdale propre à l’amour séminal ou originel (hubb), l’être est invinciblement entrainé par la force amoureuse qui ne peut opérer qu’avec le rythme imposé par l’Esprit, dans un double mouvement expansif et résorptif.

من الواضح فيما تقدّم أن المترجم شرح وبرّر خيار لفظة « spiration» في النموذج الأوّل قائلا أنه التزم بقصدية ابن عربي. هذا ما يعكس وجود قراءة تأويلية بحثَتْ في قصدية صاحب النص والتي سمحت للمترجم بالكشف عن التباين في قصيدته على مدار الكتاب.

3.2. مصطلحي « الشوق» و « الاشتياق»

1.3.2. النموذج والتعاريف

« الشوق يسكن باللقاء والاشتياق يهيج باللّقاء». (ابن عربي 2011/ 3: 488).

جمع ابن منظور بين اللّفظتين في تعريف واحد متمثّل في نزوع النفس الى شيء ما ورغبتها الجامحة فيه، اذ يرد في معجم لسان العرب : الشَّوْقُ والاشْتياقُ : نِزاعُ النفس إلى الشيء، والجمع أَشْواقٌ، شاقَ إليه شَوْقاً وتَشَوَّق واشتاقَ اشْتياقاً. (ابن منظور/ 2 : 383 ).

وفيما يتعلّق بالدلالة الصوفية للمصطلحين، يقدِّم القشيري التعريف التالي لمصطلح الشوق: «الشوق اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبة يكون الشوق» (القشيري 218:2006) وفرّق بين الشوق و الاشتياق قائلا : « الشوق يسكن باللّقاء والرؤية، والاشتياق لا يزول باللقاء » (نفسه). هذا يعني أن «الاشتياق» أقوى من الشوق بما أن اللقاء لا يزيده الاّ اهتياجا.

 من جهته خصّص ابن عربي بابًا بأكمله من الفتوحات المكية لموضوع الشوق و عنونه «في معرفة مقام الشوق والاشتياق وهو من نعوت المحبّين العشّاق فأقرن المحبّة بالشوق حيث قال : «ومن ليس بمشتاق فليس بمحبّ ». (ابن عربي 2011/ 3 : 545).

وفيما يتعلّق بالفرق بين الشوق والاشتياق، يقول ابن عربي أن الشوق «هبوب القلب الى غائب» (المرجع نفسه) أمّا الاشتياق، فيعرِّفُه على أنه «حركة يجدها المحبّ عند اجتماعه بمحبوبه فرحًا به لا يقدر يبلغ غاية وجده فيه» ( المرجع نفسه) وشبّهه بـشارب ماء البحر، كلّما ازداد شربًا ازداد عطشًا ( المرجع نفسه)، هذا يعني أنّ الشوق يزول باللقاء في حين أن الاشتياق يهيج باللقاء. وهذا ما يؤكدّه في القول الذي نحن بصدد دراسته.

2.3.2. الترجمة اللغوية 

يَرِد في قاموس المعاني الثنائي اللّغات المقابلات الآتية لمصطلح « الشوق» :

Image 10000201000002800000019F3CD3894E.png

Image 1000020100000223000002802A03FAA5.png

Image 1000020100000221000002808CE0C335.png

وبذلك، فالمقابلات اللغوية التي يقدّمها القاموس لا توازي دلالة « الشوق» و « الاشتياق» عند محي الدين بن عربي.

3.3.2 ترجمة موريس غلوتون 

« Le désir ardent (shawq) s’apaise avec la rencontre (de l’aimé), mais la recherche de ce désir se trouve stimulée par de (nouvelles) rencontres ». (Ibn Arabi, 1986 : 57).

ترجم غلوتون مصطلح «الشوق» بـ « désir ardent » وأضاف ما بين قوسين النسخ الفونيتي (shawq) وترجم مصطلح « الاشتياق» بـ « la recherche de ce désir».

فيما يتعلّق بترجمته لمصطلح « الشوق» بـ désir ardent، لنبحث أوّلا عن الدلالة اللغوية للفظة désir.

يرد في Le Trésor de la Langue française التعريف الآتي للفظة « désir »:

DÉSIR, substantif masculin. Action de désirer ; aspiration profonde de l'homme vers un objet qui réponde à une attente.

كما ورد المثال الآتي وهو مقتطف من كتاب Bel-Ami للمؤلّف غي دو موباسان ( Guy de Maupassant) الذي يتضمّن لفظة « désir » مع الصفة « ardent » التي استعملها المترجم :. Un désir ardent de manger lui mouillait la bouche de salive (Maupass., Bel-Ami,1885, page 107) (الرابط الثاني).

تبيّن من خلال هذا المثال أن لفظة « désir » توفي بمعنى الرغبة الجامحة وبإضافة الصفة « ardent » تحيل الى الاهتياج ولكنها لا تعني الاهتياج الى اللّقاء، فهي تشكّل مقابل غير تام ولكنّه مقبول الى حد كبير.

نلاحظ أيضا في هذا المقطع أن المترجم قام بإضافة de l’aimé ما بين قوسين كمعلومة إضافية، أي «لقاء المحبوب»، وبذلك لجأ الى آلية التصريح بالمضمر، وهذا يعكس اصراره على ازالة الابهام الذي كان موجود في المقطع الأصلي للتأكد من ايصال المعنى للمتلقي.

وفيما يتعلّق بترجمته لمصطلح « الاشتياق» بـ « la recherche de ce désir »، فهي في اعتبارنا ترجمة غير دقيقة، لأنّ «الاشتياق» ليس البحث عن «الشوق» بل هو على حد ما جاء به ابن عربي : « حركة يجدها المحب عند اجتماعه بمحبوبه فرحا به لا يقدر يبلغ غاية وجده فيه. » (ابن عربي 2011/ 3 :545) يتأكّد لنا بذلك أن الترجمة التي أتى بها المترجم لمصطلح « الاشتياق» ترجمة غير ملائمة، وبالأحرى ترجمة خاطئة، وهذا لأنّ المترجم وضّحstimulée par de nouvelles rencontres وهذا ليس صحيح لأن « الاشتياق» اهتياج ناتج عن اللّقاء نفسه.

4.2. مصطلح الغرام

1.4.2. النموذج والتعاريف

« فهو اسم يعمّ جميع ما يلزم المحب ليس للمحب صفة أعظم احاطة من الغرام ». (ابن عربي 2011/3 : 508).

يرِدُ في قاموس لسان العرب : الغَرام : « الوَلُوعُ. وقد أُغْرِم بالشيء أي أُولِع به؛ وقال الأَعشى : إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَراما، وإن يُعْـطِ جَزِيلاً فإنَّه لا يُبالي وفي حديث معاذ : ضَرَبَهُمُ الله بِذُلٍّ مُغْرَمٍ أي لازم دائم. يقال : فلان مُغْرَمٌ بكذا أي لازم له مُولَعٌ به. » (ابن منظور/2 : 981).

يُعد مصطلح «الغرام» من المصطلحات الكثيرة التداول في التصوّف، اذ ربط ابن الدبّاغ المحبة بالغرام قائلا : «المحبّة هي الشرب بكأس الغرام والانتشاء من صفو ذلك المدام». (ابن الدبّاغ د.ت: 104 )

يمثّل «الغرام» عند ابن عربي الصفة الجامعة لكلِّ الصفات التي يتميّز بها المحب وهذا ما يؤكّده في النموذج الذي نحن بصدد دراسته. كما يؤوّل هذا الأخير الآية الكريمة {إنَّ عذابها كان غراما} [الفرقان/ 65] قائلا : «أي مهلكا لملازمة شهود المحبوب». (ابن عربي، 2011/3 :509). نستنبط من هذا التأويل أن ابن عربي احتفظ بالدلالة القرآنية للفظة «غرام» وأضفى عليها صبغة صوفية، فـ «الغرام» في نظره «مهلكا» لصاحبه. كما نستنبط أيضا أن ابن عربي يستعمل مصطلح «المحبوب» للإشارة الى الله عزّ وجلّ.

2.4.2. الترجمة اللغوية 

يَرِدُ في قاموس المعاني الثنائي اللّغات :

Image 1000020100000280000001A9D660CB04.png

Image 10000201000001FF000002801F7B799E.png

. 3.4.2. ترجمة موريس غلوتون

في هذا النموذج، نلاحظ أن المترجم لم يلجأ الى الترجمة الحرفية، ولم يختار احدى المقابلات الواردة في القاموس الثنائي اللّغات، ففضّل اللجوء الى الترجمة الشارحة (Paraphrase) المتمثلة في « Aliénation d’amour » لنقل الدلالة الصوفية لمصطلح «الغرام»، كما أضاف النسخ الفونيتي (gharâm) ما بين قوسين.

يَرِد في قاموس لاروسLarousse التعريف الآتي للفظة « aliénation »:

Transmission volontaire ou légale à autrui de la propriété d'un bien ou d'un droit.
État de quelqu'un qui est aliéné, qui a perdu son libre arbitre.
Situation de quelqu'un qui est dépossédé de ce qui constitue son être essentiel, sa raison d'être, de vivre(الرابط الثالث)

يهمُّنا في هذا التعريف الاقتراح الثاني والثالث، حيث يفيدنا أن الشخص الذي يعاني من حالة aliénation هو شخص حُرِّم من حرّية الارادة ومن كلّ ما كان يشكّل كيانه وسبب وجوده ومعيشته. وبذلك، يكون هذا الشخص « مهلكا»، وبإضافة الصفة « amoureuse »، يعلمنا المترجم أن الحب هو سبب هذا الهلاك. وبذلك، اقترب من مفهوم « الغرام» عند ابن عربي المتضمّن في قوله : « مهلكا لملازمة شهود المحبوب». (ابن عربي2011/3 : 509). نخلص الى أن المترجم تبنّى موقفا تأويليا مكّنه من الوصول الى الطبقة الدلالية العميقة لمصطلح « الغرام».

الخاتمة 

تبيّن لنا من خلال دراستنا أن الكلمات جزء لا يتجزأ من التجربة الصوفية وأنّ« المصطلح الصوفي» يبتعد عن المدلول اللّغوي للألفاظ حيث تستمدُّ المصطلحات الصوفية طاقتها الحيوية من كونها تعبير الصوفي على تجاوزه للعالم المحسوس بغية معرفة الذات الإلهية، وهكذا نما وتطور « المصطلح الصوفي» على يد أجيال من الأقطاب والمتصوفين.

ونظرا لهذه الخاصية، يجد مترجم الخطاب الصوفي نفسه حائرا أمام مصطلحات عديدة تُشكِّل فضاء يتَّسِع لكلِّ الممكنات والاحتمالات. ولذلك، حاولنا في هذه الدراسة أن نضيئ مختلف الجوانب المتعلقة بترجمة المصطلح الصوفي في المحبة، فتمحوَرَتْ اشكالية بحثنا حول الآليات التي تمكِّنُ المترجم من فهم ونقل المصطلحات الصوفية وجعلها تحمل معنى للمتلقّي الجديد بالرغم من ضبابتيها ومن وجود فاصل زمني وثقافي شاسع بين زمن إنتاجها وزمن ترجمتها. ولمعالجة عن هذه الاشكالية، انطلقنا من فرضية كون التأويل هو السبيل الوحيد الذي يُمكِّن المترجم من مقاربة المصطلح الصوفي.

واستنادا إلى رؤية فريدريك شلايرماخر القائلة بأن الفهم يحمل توجّهين، واحد منهما نحو اللغة والآخر نحو الفكر وجدنا أن مفهوم الدائرة التأويلية التي جاء بها هذا الأخير، والمتمثّلة في فهم الجزء انطلاقا من الكل، والكلّ انطلاقا من الجزء يمنح للمترجم أداة تساعده على مقاربة المصطلح الصوفي، إذ تقر هذه الدائرة بأن الفكر جزء يتشكل داخل الكلّ المتمثل في اللّغة، وبذلك فإن لفهم أي جزء كان يشترط أن يُفهم الكلّ الذي يندرج فيه.

إن هذا الطرح يسمح للمترجم عمليا الإحاطة بالجانب اللّغوي والفكري للمصطلح المتاح، وذلك بإجراء فحص على مستوى المفردات باعتبارها علامات غير مقيّدة في النسق المطلق للّغة، ثمّ الكشف عن مفهومها ضمن البنية العامة لفكر صاحبها.

وبناء على كل ما قدمناه نختم بالقول هنا، بأن أوّل إشكال متعلّق بتأويل وترجمة المصطلح الصوفي يتمثل في مشكل الفهم والإدراك، حيث تأكّد لنا أن الفهم المطلق بالنسبة للمترجم مستحيل، كما أنّ الموضوعية في معالجة مثل هذه المواضيع تعد من بين الأمور التي يصعب التحكم فيها والتحلي بها.

الشعراني، عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي. (1998). الكبريت الأحمر في علوم الشيخ الأكبر، بيروت : دار الكتب العلمية. الطبعة الأولى.

1 محي الدين بن عربي من أكبر أقطاب الصوفية في الاسلام ولد سنة 558 هـ في مدينة مُرْسيَة في الأندلس.

2 Voir (Gadamer 1996 : 87).

3 (ابن عربي 2011/3 : 484)

4 (ابن عربي 2011/3 : 504)

باللغة العربية

جاسبر، دافيد. (2007). مقدمة في الهرمينوطيقا. ترجمة وجيه قانصو، دار الكتب العلمية، بيروت، منشورات الاختلاف، الجزائر.

الحكيم، سعاد. (1981). المعجم الصوفي (الحكمة في حدود الكلمة). بيروت : دندرة للطباعة والنشر.

الحكيم، سعاد. (1991). ابن عربي ومولد لغة جديدة، الطبعة الأولى، بيروت : المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع.

ابن الدباغ، عبد الرحمن بن محمد الأنصاري. (د.ت.) مشارق أنوار القلوب ومفاتيح أسرار الغيوب. تحقيق ه. ريتر، بيروت : دار صادر.

الشعراني، عبد الوهاب. (2006). الأنوار القدسية في بيان قواعد الصوفية، تحقيق لجنة التراث، بيروت : دار صادر/ دمشق : دار البشائر.

ابن عربي، محي الدين. (2011). الفتوحات المكية، المجلّد الأوّل. المحقق أحمد شمس الدين. بيروت : منشورات دار الكتب العلمية.

ابن عربي، محي الدين، (د.ت.). فصوص الحكم، تحقيق أبو العلاء عفيفي، الجزء الأوّل، بيروت، دار الكتاب العربي.

القشيري، أبو القاسم عبد الكريم بن هَوازن ابن الملك بن طَلحَة. (2006). الرسالة القشيرية، تعرف بالرسالة في رجال الطريقة أو الرسالة المباركة، شرح وتقديم نواف الجَراح. الطبعة الثانية. بيروت : دار صادر

الكلاباذي، أبي بكر محمد بن اسحاق.(1993). التعرف بمذهب أهل التصوف، تحقيق شمس الدين أحمد. بيروت : دار الكتب العلمية.

مروة، حسين. (2008). النزاعات المادية في الفلسفة الاسلامية (تبلور الفلسفة- التصوف-اخوان الصفا). الطبعة الثانية. بيروت : دار الفارابي.

المراجع الأجنبية

Gadamer, H. (1996). Vérité et Méthode. Paris : le Seuil.

Guidère, M. (2005). La traduction arabe, méthode et applications. Paris : Ellipses.

Ibn Arabi. (1986). Traité de l’amour. Traduction, introduction et notes de Maurice Gloton. Paris : Albin Michel.

Ricœur, P. (1969). Le conflit des interprétations, Essais herméneutique. Paris : Editions du Seuil.

Schleiermacher. F. (1987). Herméneutique, préface Jean Starobinsky. Paris : Labor et Fides.

Schleiermacher, F. (1999). Des différentes méthodes de traduire et autre texte. Traduit par Antoine Berman. Paris : Editions du Seuil.

القواميس 

العربية 

ابن فارس، أحمد بن زكريا أبو الحسين. (1979). مقاييس اللغة. المجلّد السادس. تحقيق عبد السلام محمد هارون. مدينة النشر غير مذكورة : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

ابن منظور (د.ت). لسان العرب المحيط. المجلّد الأوّل. اعداد وتصنيف يوسف خياط. بيروت : دار لسان العرب.

ابن منظور (د.ت). لسان العرب المحيط، المجلّد الثالث. اعداد وتصنيف يوسف خياط. بيروت : دار لسان العرب.

الأجنبية

Encyclopaedia Universalis , Volume 8. (1976). Neuvième publication. Paris : Encyclopaedia Universalis France S.A.

Dubois, J. / Giacomo, M./ Guespin, L./ Marcellesi, C./ Marcellesi, J.B.et Mével. J.P. (2007). Grand Dictionnaire Larousse de Linguistique & Sciences du langage Paris : Editions Larousse.

المواقع الالكترونية

الرابط الأوّل : قاموس المعاني عربي/ فرنسيhttps://www.almaany.com/fr/dict/ar-fr/

الرابط الثاني : http://atilf.atilf.fr Trésor informatisé de la langue française

الرابط الثالث Dictionnaire Larousse électronique. https://www.larousse.fr

1 محي الدين بن عربي من أكبر أقطاب الصوفية في الاسلام ولد سنة 558 هـ في مدينة مُرْسيَة في الأندلس.

2 Voir (Gadamer 1996 : 87).

3 (ابن عربي 2011/3 : 484)

4 (ابن عربي 2011/3 : 504)

ليندة لوناس Lounas Lynda

جامعة الجزائر Alger 2

© 2017 Aleph, langues, médias et sociétés