التفكير التصميمي « منهج لإدارة التحولات» في المكتبات ومؤسسات المعلومات : دراسة استقصائية اثنوغرافية بشبكة المطالعة العمومية في الغرب الجزائري

Approche Approche, « Design Thinking» pour la gestion des nouvelles transformations dans les bibliothèques et les institutions d’information : Une enquête ethnographique sur le réseau de lecture publique dans l’ouest de l’Algérie

 ”Design Thinking“ Approach to Managing New Transformations in Libraries and Information Institutions: An Ethnographic Survey of the Public Reading Network in western Algeria

دموش أوسامة

Citer cet article

Référence électronique

دموش أوسامة, « التفكير التصميمي « منهج لإدارة التحولات» في المكتبات ومؤسسات المعلومات : دراسة استقصائية اثنوغرافية بشبكة المطالعة العمومية في الغرب الجزائري », Aleph [En ligne], 8 (3) | 2021, mis en ligne le 29 octobre 2021, consulté le 02 décembre 2021. URL : https://aleph-alger2.edinum.org/4765

تعيش المكتبات ومؤسسات المعلومات في العالم العربي مفارقات ترتبط من جهة بالسعي إلى مواكبة التحولات الجديدة التي تفرضها البيئة الاجتماعية، والحضرية، والتكنولوجية، ومن جهة أخرى تعلق هذه المكتبات بالمفاهيم التقليدية والمقاربات التسييرية الكلاسيكية، والافتقار إلى الإمكانيات والموارد اللازمة، وهو ما يضع المكتبيين داخل هذه الفضاءات في الغالب أمام حتمية تبني وتقليد التجارب الرائدة في الدول التي تعرف مكتبات قوية، والتي تعمل في ظروف وشروط ملائمة، أو الهروب وتجنب الخوض في هذه التحولات، وعليه نحاول من خلال هذه الورقة تقديم أحد المقاربات التي تسمح للمكتبيين في الوطن العربي للتعامل مع هذه الظروف والتغلب على المشكلات والتحديات التي تجهدهم، وعدم الاكتفاء بتقليد ومحاكاة تجارب الدول الأخرى، وذلك من خلال اعتماد منهج » التفكير التصميمي « أو » التفكير الذي يركز على الإنسان « ، حيث جاءت هذه الدراسة الاستقصائية الاثنوغرافية بشبكة مكتبات المطالعة العمومية بالغرب الجزائري، لتبرز تمثلاث المكتبيين حول التغيرات والتحولات التي تمس هذه المؤسسات، ومدى اطلاعهم ودرايتهم بمنهج التفكير التصميمي ومجالات استخدامه، والنشاطات التي تندرج تحته.

Les bibliothèques et les institutions d’information dans le monde arabe vivent des paradoxes liés, d’une part à la capacité de donner des réponses aux transformations imposées par l’environnement social, urbain et technologique, et d’autre part, elles sont attachées aux concepts traditionnels et aux approches classiques de gestion, et au manque de moyens et de ressource nécessaires. Ce qui met souvent les bibliothécaires au sein de ces espaces devant l’impératif d’adopter et d’imiter les expériences pionnières des bibliothèques des pays développés, qui fonctionnent dans les bonnes circonstances et conditions, ou de fuir et d’éviter d’entrer dans ces transformations. Dans cet article, nous discuterons de certaines approches qui permettent aux bibliothécaires dans le monde arabe de faire face à ces circonstances et de surmonter les problèmes et les défis qui sont soulignés, et non pas d’imiter et de simuler les expériences d’autres pays, en se concentrant sur l’approche du « design thinking » ou « human centered thinking ». L’étude présentée s’appuie sur une enquête ethnographique du réseau des bibliothèques de lecture publique dans l’ouest de l’Algérie, pour mettre en évidence les représentations des bibliothécaires sur les changements et les transformations qui affectent ces institutions, leur conscience et leur connaissance de l’approche design thinking et de ses domaines d’utilisation, ainsi que des activités qui en relèvent.

Libraries and information institutions in the Arab world are experiencing paradoxes related, on the one hand, to the ability to respond to the transformations imposed by the social, urban and technological environment, and on the other hand, they are attached to traditional concepts and classical management approaches, and to the lack of necessary means and resources. This often puts librarians within these spaces in the imperative position of either adopting and imitating the pioneering experiences of libraries in developed countries, which work under the right circumstances and conditions, or running away from and avoiding entering into these transformations. In this article, we will discuss some approaches that enable librarians in the Arab world to face these circumstances and overcome the problems and challenges that are highlighted, and not to imitate and simulate the experiences of other countries, focusing on the approach of ‘design thinking’ or ‘human centered thinking’. The study presented is based on an ethnographic survey of the network of public reading libraries in Western Algeria, to highlight the representations of librarians on the changes and transformations affecting these institutions, their awareness and knowledge of the design thinking approach and its areas of use, as well as the activities that fall under it. public.

مقدمة

تجد المكتبات ومؤسسات المعلومات في الغالب داخل المجتمعات العربية عامة والجزائر خاصة صعوبات في التأقلم مع التحولات والتطورات الجديدة التي تفرضها البيئة الاجتماعية، والحضرية، والتكنولوجية، وفي إدارة مشاريعها اليومية من خلال الأنشطة، والبرامج، والخدمات، والعلاقات، وذلك يعود إلى مكانتها التي تحظى بها في تصور المخططين وأصحاب القرارات، والتي يترجمها غياب الكثير من المفاهيم والمصطلحات الحديثة في السياسات الثقافية لهذه الدول التي تعكس الدور الاجتماعي داخل هذه الفضاءات، والمكانة التي تحظى بها في الفضاء العمراني خاصة عند الحديث عن النماذج الجديدة للمكتبات في المجتمعات الغربية، كما تؤثر هذه التصورات بشكل قوي على عملية تمويلها، وطرق وأساليب إدارتها.

تشكل هذه الوضعية التي تعيشها المكتبات ومؤسسات المعلومات إشكالية عميقة يتطلب الوقوف عندها، حيث أصبح المكتبي يبحث عن هويته في إدارة شؤون هذه المكتبات أمام كل هذه التحولات الكبرى التي يطرحها الباحثون والمتخصصون في علوم المكتبات والمعلومات، وتدعو إليها المنظمات الدولية التي تعنى بالمكتبات ومؤسسات المعلومات ( اليونسكو، الإفلا )، سواء في التسميات التي تحملها، أو المهام الجديدة التي تكتسبها، وفي شركائها الجدد داخل المجتمع وتحديد نطاق عملها، في حين لا تزال هذه المؤسسات تفتقر في طرق تسييرها ومواردها المتوفرة لديها لما يمكنها من مسايرة هذه التحولات، وعليه أصبح لابد من إعادة التفكير في العمليات التسييرية الكلاسيكية واستبدالها بالمقاربات والمناهج الجديدة التي تشجع على الإبداع والابتكار والتطوير، والتي يقدم من خلالها الكثير من الباحثين والمهنيين بالدول الأوروبية، والاسكندينافية، والأنجلوساكسونية منهج « التفكير التصميمي » باعتباره أحد المناهج المبتكرة والمطورة حديثا في المناجمنت، والذي يحظى برواج وشعبية كبيرتين في عمل هذه المؤسسات التي تسعى من خلاله إلى تعزيز وتطوير مجال الإبداع والابتكار، ليشمل ذلك تصميم المنتجات والخدمات، وتصميم الفضاءات، ووسائل الترفيه، والتبادلات، وقنوات الاتصال، وعلاقات العمل وما إلى ذلك، والذي لا يزال مغيبا وغير واضح سواء كمفهوم، أو كمنهج، والمجالات التي يغطيها بالنسبة للمكتبات ومؤسسات المعلومات العربية.

بناءا على ما سبق قمنا بإجراء دراسة استقصائية اثنوغرافية في شبكة مكتبات المطالعة العمومية بالغرب الجزائري، نحاول من خلالها :

  • التأصيل لمنهج « التفكير التصميمي » باعتباره أحد المناهج التي تم تطويرها لدعم الجيل الجديد للمكتبات في العالم، والذي يسمح للمكتبيين في الجزائر والوطن العربي من إنشاء وتصميم فضاءات تقترب من هذه التحولات رغم الظروف والإمكانيات المتواضعة.

  • معرفة تمثلاث المكتبيين حول التغيرات والتحولات التي تمس هذه المؤسسات، ومدى اطلاعهم ودرايتهم بمنهج التفكير التصميمي ومجالات استخدامه، والنشاطات التي تندرج تحته.

1. مفهوم التفكير التصميمي

يأتي استخدام مفهوم التفكير التصميمي كترجمة لـ design thinking باللغة الانجليزية، والذي يقابلها في اللغة الفرنسية la panse design، وقد قمنا بالتأصيل للمفهوم وأسباب اعتماد هذه الترجمة في اللغة العربية، حيث استخدم بعض الباحثين ترجمة المفهوم إلى « تصميم الأفكار » وهي ترجمة صحيحة لغويا، وهذا راجع إلى استخدام كلمة design في اللغة الانجليزية والتي تأتي في صيغة « اسم » أو « فعل » وليست « صفة »، غير أن هذه الترجمة اللغوية لا تقدم الوصف الحقيقي والأبعاد الضمنية للمنهج، وهذا ما يجعل استخدام الكلمة في هذه الحالة يخرج عن القواعد اللغوية ليراد بها وصف حالة أو طريقة للتفكير، وهذا وارد في اللغة العربية ( التفكير التحليلي، التفكير النقدي...)، وعليه فإن ترجمة المفهوم إلى اللغة العربية بـ « التفكير التصميمي » هو الأقرب إلى ما يرد في تقديم الباحثين لهذا المنهج على أنه طريقة للتفكير « design is way of thinking ». ( دموش أوسامة، 2017، ص.148 ).

اكتسب مفهوم « التفكير التصميمي » شعبية كبيرة خلال الألفية الثالثة، خاصة بعد الترويج الإعلامي الذي حظي به المفهوم من خلال عرض برنامج تلفزيوني يحمل تسمية « Deep Dive » في سنة 1999 عبر القناة الأمريكية ABC، والتي كان يشرف عليها David Kelley مؤسس الشركة الأمريكية IDEO التي تقع بـ Palo Alto بـ « سيليكون فالي » أو « وادي السيليكون » Silicon Valley، والذي يرى بأن الإنسان قادر على ابتكار كل الأشياء ويقول « كل شيء من حولنا باستثناء ما تنتجه الطبيعة الأم » (Mathieu, F. & Hillen V : 2016 )، وقد استطاعت الشركة أن تدير أكثر من 4500 عملية لمئات الشركات العالمية بين تصميم المنتجات والخدمات، والأدوات.

تحقق هذه الشركة قفزة نوعية في مجال « التفكير التصميمي » منذ سنة 2004 مع تعيين Tim Brown كمدير تنفيذي جديد بعد David Kelley، حيث استطاع أن يطور من هذا المنهج ويحرره من قيود المجال الجغرافي والموضوعي، ويصدر ثقافة التصميم وأساليبه إلى العديد من الدول في العالم، وقد نشر مقال برفقة مؤسس الشركة David Kelley في مجلة BusinessWeek حمل عنوان « The power of design thinking »، كما قام بنشر عمل آخر في سنة 2009 ساهم من خلاله في إعادة تشكيل التفكير التصميمي في المؤسسات، حمل عنوان « L'esprit design : le design thinking change l'entreprise et la stratégie »، فلم يعد بذلك موضوعه مقتصرا على المؤسسات الاقتصادية، والتجارية، والصناعية، بل حتى المؤسسات الخدماتية ومن بينها المكتبات ومؤسسات المعلومات، حيث خاضت شركة IDEO العديد من التجارب مع المكتبات الجامعية، والمدرسية، والعمومية منذ سنة 2003، كما قامت بتدريب وتكوين العديد من المكتبيين في هذا المجال، لتقوم في سنة 2016 بنشر دليل بعنوان « le design thinking en bibliothèque » والذي يمكن جميع المكتبيين في العالم من تطبيقه في مكتباتهم.

يعرف Tim Brown المدير التنفيذي لشركة IDEO التفكير التصميمي على أنه « نظام يعتمد على الإحساس، وعلى أدوات وأساليب المصممين التي تسمح للفرق متعددة المهارات من الابتكار الذي يتكيف مع احتياجات المستخدمين، إمكانية تنفيذه، والقدرة على الاستمرار » ( Tiphaine, G. 2016 : 10)، وفي بعض الأعمال نجد « (...) الذي يتكيف مع توقعات المستخدمين، والجدوى التكنولوجية، والجدوى الاقتصادية ». (Mathieu, F., & Hillen, V. 2016 : 17)

الصورة رقم 01 : عناصر التحفيز في منهج « التفكير التصميمي » حسب Tim Brown

Image 10000201000002800000017A74652F3DF9B6F016.png

المصدر : (Mathieu, F., & Hillen, V. ,2016, p. 17 )

كما اعتمد Tim Brown لشرح منهج التفكير التصميمي على تمثيل بياني أيقوني، تضمن ثلاث دوائر تتقاطع عند الهدف المحدد أو المراد الوصول إليه، إذ يسمح هذا الهدف بخلق تجربة جديدة تكون مرهونة ثلاثة أنواع من القيود وهي : مرغوبة من وجهة نظر المستخدمين/المستفيدين، وقابلة للتطبيق تقنيا، ومجدية اقتصاديا ومستدامة.

يبرز هذا التعريف الذي قدمه Tim Brown عناصر القوة في منهج التفكير التصميمي، والتي يمكن تحديدها في :

  • يعتمد منهج التفكير التصميمي على التجريب كمصدر للتعلم، بحيث يحمل كل مشروع تجربة جديدة تكون فريدة من نوعها وثرية بالعواطف والمعاني، وهذا ما يستبعد التقليد والمحاكاة للتجارب الأخرى.

  • يركز منهج « التفكير التصميمي » على المستخدمين للبحث عن حلول غير ظاهرة، انطلاقا من مبدأ Protagoras الذي جاء فيه « الإنسان هو مقياس كل شيء . ( Golsenne, T. 2009 )

  • تحليل الاحتياجات يكون من خلال النزول إلى الميدان والفهم الجيد لأولئك الذين نود الابتكار لأجلهم، وليس باعتماد مقاربات التحليل الكمي والموضوعي للبيانات المطروحة مسبقا في السوق.

  • تعتمد الرؤى الكلاسيكية على تطوير التكنولوجيا باعتبارها غاية في حد ذاتها، بينما تأتي في سياق هذا المنهج كأداة لتحليل الاحتياجات.

  • لا يقتصر تطبيقه على المصممين وإنما يعطي الفرصة لجميع الفرق متعددة المهارات داخل المؤسسات من ابتكار الأدوات التي تساعد على تحسين، وتسريع، وتصور كل عملية إبداعية.

2. خطوات تطبيق منهج التفكير التصميمي

يعتمد منهج « التفكير التصميمي » كغيره من المناهج والأساليب المعتمدة في المناجمنت على مجموعة من الخطوات البسيطة التي تضبط سير وتنظيم المشروع، وقد بنيت هذه الخطوات في البداية على 7 مراحل يقدمها لنا Rolf Faste في أعماله، ليأتي بعد ذلك Jeremy Gutshe ويختصرها في 5 مراحل، ليعيد Tim Brown النظر في هذه الخطوات من جديد ويختصرها في 3 مراحل أساسية وهي :

الصورة رقم 02 : يوضح خطوات منهج التفكير التصميمي

Image 1000020100000280000001234691ED8EE28C007A.png

المصدر : ( IDEO, 2016, p. 8 )

1.2. الانطلاقة 

لكل مشروع نقطة الانطلاقة التي تعبر عن وجود مشكل راجع إما لنقص موجود، أو محاولة لتحسين خدمة ما، أو بداعي التغيير، وعليه فإن منهج التفكير التصميمي يعتمد كمرحلة أولية على تحديد المشكل، والنظر إلى هذه المشاكل على أنها فرص داخل المكتبة كأن تسعى إلى :

  • استهداف فئة معينة ( فئة المراهقين مثلا )؛

  • تطوير وابتكار خدمات جديدة؛

  • خلق فضاء للعمل الجماعي.

وعليه لابد من تحديد المشكل باستخدام سؤال : كيف يمكن أن... ؟ Comment Pourrait-on… ?

وهي صيغة بسيطة تسمح بتبني عقلية موجهة نحو ابتكار حلول ملموسة (IDEO 4 ).

2.2. مرحلة الإلهام 

تعتبر الحلقة الأولى في منهج التفكير التصميمي بعد تحديد المشكل والتي تبنى عليها جميع عمليات الابتكار، فالتركيز خلال هذه المرحلة يكون موجها نحو الفهم الجيد والصحيح للمستخدمين والمستفيدين الفعليين والمحتملين الذين نود الابتكار لأجلهم باعتبارهم مصدر الإلهام لأي عملية.

يعتمد تأطير ودراسة هذه الاحتياجات في منهج التفكير التصميمي على البحوث والدراسات الأنتروبولوجية وأساليب البحث الاثنوغرافي، والتي تساعدنا على فهم واقع هؤلاء الأفراد وطريقة تفكيرهم بشكل عميق، وهادف، وناجع، ولذلك يؤكد عالم الأنتروبولوجيا Margaret Mead على « الازدواجية والفرق بين ما يقوله الناس، وما يفعلونه، وبين ما يقولون أنهم يفعلونه » (Mathieu, F., & Hillen, V. 2016 : 23 )، ولتبسيط هذا التعقيد نقوم بتطوير التعاطف ( حالة ذهنية عالية ) والحب الحقيقي ( إرادة ) الذي يساعدنا على فهم « الآخر »؛ لا أن نقدم أحكام مسبقة ونستسلم لمتلازمة « déjà-vu ». (Tom, K. 2005)

يعتمد البحث الاثنوغرافي على أربعة مراحل أساسية وهي : الإعداد، جمع البيانات من الميدان، التوليف والاتصال، ويعيد فريق المشروع النظر في المرحلتان الأوليتان أحيانا عدة مرات وذلك لعدة اعتبارات ترتبط بجودة البيانات والقدرة على تفسيرها أو ترجمتها. (Mathieu, F., & Hillen, V. 2016 : 24)

كما يتضمن البحث الاثنوغرافي أكثر من 50 أداة ( الملاحظة ومراقبة سلوك الأفراد، المحادثات الديناميكية، الاستماع لآراء المستخدمين، جولات إرشادية، زيارات غير متوقعة...)، وعليه يجب اختيار الأداة الصحيحة والتي تتكيف مع المستخدمين.

تعتبر مرحلة الإلهام محطة مهمة وممهدة لمرحلة توليد الأفكار، فبعد التباعد الذي نتج عن احتضان المشاكل، تسمح هذه المرحلة بتقريب وجهات النظر من خلال تحديد الاقتراحات القيمة والضرورية، وتأطير المحاور الرئيسية التي تقربنا من الحلول.

3.2. مرحلة توليد الأفكار 

تعتبر عملية توليد الأفكار الحلقة الثانية في منهج التفكير التصميمي، وهي عبارة عن « عملية توليد، وتطوير، واختبار الأفكار التي يمكن أن تؤدي إلى الحلول »؛ ولهذا فإن العملية تمر بعدة مراحل لا تقتصر فقط على نشاط توليد الأفكار الذي يرتبط بشكل كبير بـ « العصف الذهني » brainstorming بل أوسع من ذلك، لتشمل العملية إنشاء النماذج الأولية واختبارها مع المستخدمين في العالم الحقيقي، والهدف من ذلك هو مواجهة أفكارنا بسرعة مع المستخدمين لإدراك ما هو منطقي من دونه، بدلا من تمرير الكثير من الوقت وإنفاق المال في تطوير الأفكار النظرية التي لم تعرض على المستخدمين. ( IDEO 2016 : 8-12 )

كما يحمل منهج التفكير التصميمي فلسفة صريحة في التعامل مع الأفكار، فالفكرة الصالحة هي فقط القابلة للتحقق، والفكرة الصالحة هي التي تتوافق مع احتياجات حقيقية، كما أن الفكرة يجب تنمو وتتغذى بالتفاعل مع المستخدمين الحقيقيين ( ليس الفكرة التي طورت في بيئة سرية وبعيدة عن العالم الحقيقي ).

يرى Paul-Herbert Des Mesnard وهو خبير في مجال الابتكار لمدة 40 سنة، إننا نسعى دائما إلى تجسيد أفكارنا في أسرع وقت ممكن سواء تعلق الأمر بتصميم المنتجات أو الخدمات وغيرها، ولذلك نركز بشكل أساسي على تصميم النماذج الأولية السريعة التي تسمح لنا بخلق تجربة ملموسة مع المستخدم، بحيث تكون جميع هذه النماذج الأولية مصنوعة من الورق المقوى، أو الخشب، أو البلاستيك، ولذلك نكون في حاجة إلى ورشة عمل تقرب من فريق المشروع بـ 7 ثواني، ومما لابد من الإشارة إليه بخصوص مسألة التقارب بين فريق المشروع والورشة فإضافة إلى أنها تذكرنا بهذه القيمة الأساسية للانتقال من الفكرة المجردة إلى شكل ملموس قابل للاختبار، فهي تبقينا دائما عمليين، وتعطينا الراحة الوظيفية لجلب أفكارنا إلى الحياة.

تعتبر هذه المرحلة من أصعب المراحل في مجال الابتكار والإبداع والتي يؤكد عليها جميع المخترعين والمبتكرين في العالم، حيث يقول James Dyson « قمت بحوالي 4500 اختبار لتطوير أول مكنسة كهربائية »، كما يضيف Thomas Edison عن اختراع المصباح « واحد من الإبداعات التي لم تخترع نفسها »، ولذلك يقول توصلت إلى 10000 فكرة غير مجدية، وبهذا جاءت عبارته الشهيرة حول العبقرية بأنها « تأتي بـ 1 % من الموهبة، و99 % من الأعمال القاسية ». (Mathieu, F., & Hillen, V. 2016 :28 )

في نهاية مرحلة توليد الأفكار وبعد توسيع الاختبارات مع جميع المهتمين، قد نتوصل إلى واحد أو أكثر من الحلول المؤهلة والتي تستجيب للمزيج الذي يجمع بين الرغبة، والجدوى، والاستدامة.

الصورة رقم 03 : يوضح مراحل توليد الأفكار

Image 100002010000028000000130F8E4BFD89DE3199E.png

المصدر : ( Christopher, K., 2018 )

طور مجموعة من الباحثين شكلا بيانيا يوضح الاختلافات بين إثبات الفكرة Proof of Concept (POC)، والمنتج القابل للتطبيق Minimum Viable Product (MVP)، والنموذج الأولى Prototype. نفترض أن فكرة المنتج أو الخدمة هي العملة النقدية في القمع، فالحركة التي تقوم بها في الأعلى تكون عبارة عن دورات طولية متكررة تسمى بمرحلة إثبات الفكرة (POC)، حيث نقوم من خلال هذه المرحلة بالبحث والاختبار ومحاولة توجيه الاستقرار، وكلما انخفضت العملة النقدية ( الفكرة ) إلى الأسفل تصبح الدورات قصيرة وهي مرحلة إنشاء النموذج الأولى Prototype، حتى تصل العملة النقدية إلى أسفل القمع وهي المرحلة التي نصل فيها إلى الحد الأدنى من المنتج أو الخدمات القابلة للتطبيق (MVP)، أي أن هناك منتوج أو خدمة مرغوب فيها وجاهزة للنشر للمستخدمين الحقيقيين، ومع مراحل الاختبار تكون التعديلات ممكنة.

4.2. مرحلة التنفيذ 

تأتي هذه المرحلة كحلقة ثالثة ضمن سلسلة عمليات منهج التفكير التصميمي، والتي تكون نتاج تفاعل بين المرحلتين الأوليتين ( مرحلة الإلهام، ومرحلة توليد الأفكار ) واللذان يعتبران ضمن هذا المنهج مرحلتين استكشافيتين، بينما تعتبر هذه المرحلة الأخيرة مرحلة تنفيذية، أي يتم من خلالها الانتقال بالمشروع من حالة التصور الذهني إلى التنفيذ والتجسيد الفعلي له على ارض الواقع.

غالبا ما يعتبر الانتقال من التصور إلى التنفيذ في المشاريع المبتكرة بمثابة الخطر الذي يهدد حياتها، وحتى يكون هذا الانتقال سلسلا وناجحا لابد اعتماد سياسة تسويقية جيدة، وعليه يركز منهج التفكير التصميمي في هذه المرحلة التنفيذية على ثلاث مكونات رئيسية تجمع بين فن السرد القصصي، حيث يتم التركيز في هذا النشاط على رواية قصص مفعمة بالعواطف، ومدعمة بالخيال العلمي، وحاملة في مضمونها لمعاني ودلالات توصلنا إلى ما نبحث عنه؛ أي أن نقوم برواية رحلتنا الاستكشافية في شكل قصة باعتبارها تجربة مثالية، والتي نركز من خلالها على وصف الفطنة والقدرة على اتخاذ القرارات خلال المراحل والنشاطات المختلفة ( اللحظات الحساسة التي تربطنا بالمستخدمين، أصعب المشكلات، التجريب وغيرها)، كما يعتمد هذا على طبيعة القائد الذي نختاره باعتباره مصدر للتفكير، والتعلم، والمشاركة وهو المكون الثاني في هذه العملية، أما المكون الثالث فيرتبط بالجيل الجديد من العمليات الداخلية اللازمة لتنفيذه. تسمح هذه المكونات الثلاثة بإعطاء دفعة قوية (الطاقة والحماس ) للجماعة، كما تبقيهم ملتزمين بالمشروع. (Mathieu F. & Hillen V. 2016 : 30)

3. الحاجة إلى منهج التفكير التصميمي في المكتبات ومؤسسات المعلومات

نلتمس وجود وعي واهتمام كبيرين بالمكتبات ومؤسسات المعلومات على مستوى الوطن العربي وهو ما تؤكد عليه العديد من المؤشرات والقرائن لعل من أبرزها الانتشار المكثف لها داخل المناطق الحضرية، وشبه الحضارية، والريفية بالمجتمعات العربية، إضافة إلى تزايد في عدد المكتبيين، وانشغال المكتبيين والمهنيين بشكل مكثف وعميق بإشكالية العزوف والفجوة التي تعيشها هذه المؤسسات في علاقتها مع الجمهور، وهو ما يفتح لنا المجال للحديث عن إمكانية اعتماد تغيير داخل هذه الفضاءات يجعلها ترتقي إلى مستوى المكتبات التي تعرف قوة في العالم.

تجد هذه المكتبات في الغالب صعوبات في إدراك هذه التحولات والتطورات الحاصلة في بيئتها ( التطور التكنولوجي، التغير في ممارسات المستفيدين، تذبذب في القوى العاملة...الخ)، وفي إدارة مشاريعها اليومية (الأنشطة، والخدمات...)، وذلك يعود إلى مكانتها التي تحظى بها في تصور المخططين وأصحاب القرارات التي تبقى بعيدة عن ما هو وارد في المجتمعات الغربية التي تعرف مكتبات قوية، وينعكس هذا جليا في طبيعة الأساليب والمناهج المعتمد في إدارة هذه المكتبات التي تجعلها لا تتماشى مع ما هو وارد، كما تغيب السياسات الثقافية المعتمدة بهذه الدول الكثير من المفاهيم والمصطلحات الحديثة التي تعكس الدور الاجتماعي للمكتبات في العصر الراهن، ونحن نعلم جيدا أن تحديد الأشياء بمفاهيمها ومصطلحاتها هي محطة أولية لابد منها لتبني هذا التغيير والتحول، إذ تشهد هذه الدول تأخرا في منظومتها التشريعية التي تحكم سير وتنظيم المكتبات ومهنة المكتبي.

لا تتوقف الصعوبات داخل هذه المكتبات في أساليب ومناهج إدارتها، أو في القدرة على تبني المفاهيم والمصطلحات الحديثة، بل حتى عملية تمويلها فتحكمها سياقات مختلفة، حيث تواجه بعض الدول أزمات مالية تصعب عليها مهمة انجاز مكتبات قوية ( جزر القمر، جيبوتي، الصومال، موريتانيا...)، أما بالنسبة للدول التي تعيش ظروف اقتصادية واجتماعية متوسطة فهي تجد صعوبة في توفير المخصصات المالية الكافية التي تسمح لها بإنشاء مكتبات وفقا للمعايير المطلوبة، أما الدول العربية الغنية فهي تهمش في الغالب جميع الأعمال والمهام والأنشطة الجديدة للمكتبات ومؤسسات المعلومات.

نحن أمام وضعية معقدة تكمن في الوعي والاهتمام المقدم من طرف المكتبيين والمهنيين بالعالم العربي بالتحولات الواردة في مهنتهم، والحاجة إلى النهوض بهذه المكتبات وضمان شرعيتها واستمراريتها، وهذه مؤشرات عن استجابة هذه الفئات المهنية داخل هذه المؤسسات، في حين تفتقر إلى الآليات والموارد اللازمة لتحقيق ذلك على جميع المستويات الفلسفية ( التصورات )، والسياسية، والقانونية، والاقتصادية ( التمويل )، وهو ما يؤدي إلى زيادة معامل التخوف من فقدان هذه المكتبات لمكانتها في المجتمع، ومن عدم القدرة على تمثيل هؤلاء المكتبيين لأنفسهم ولمهنتهم في الأوساط الاجتماعية، وعليه نحن بحاجة إلى منهج « التفكير التصميمي » لإدارة هذه التحولات والتغييرات الجديدة باعتباره أحد الأساليب والمناهج المبتكرة والمطورة حديثا في المناجمنت، والذي تسعى من خلاله جميع المؤسسات إلى تعزيز مجال الإبداع والابتكار ليس فقط في تصميم المنتجات، وإنما يشمل تصميم الفضاءات، والخدمات، ووسائل الترفيه، والتبادلات، وقنوات الاتصال، وعلاقات العمل وما إلى ذلك، فالتفكير التصميمي هو حالة للتفكير ومنهج للإبداع يعتمد على فلسفة قوية تقوم على التفكير والعمل الجماعي، أي أن الإنسان ( الزبون، المستفيد، المستخدم ) في قلب هذه العملية، وهو ما يدفع بنا لاعتماده داخل المكتبات العمومية بهدف أنسنة هذه الفضاءات، إذ يسمح هذا المنهج للمكتبات بـ :

  1. التموقع الديناميكي أمام جميع التحولات

  2. أخذ احتياجات وطلبات المستخدمين على محمل الجد، والاستماع لهم باعتبارهم أفراد ناشطين يسهمون في تغيير المكتبة، وليس كونهم فقط مستهلكين سلبيين؛

  3. مساهمة المستخدمين في إنشاء خدمات جديدة حقيقية وذات جودة، وتجسيد العمل الديمقراطي.

  4. اعتماد أدوات بسيطة، سهلة، وفعالة.

4. مجالات استخدام منهج التفكير التصميمي في المكتبات ومؤسسات المعلومات

يحظى منهج « التفكير التصميمي » برواج وشعبية كبيرة في أعمال الكثير من المكتبات بالدول الأوروبية، والاسكندينافية، والأنجلوساكسونية، إلا أنه لا يزال مغيبا بالمكتبات في الوطن العربي، وغير واضح بالنسبة للكثير من المدراء والمكتبيين سواء كمفهوم، أو كمنهج، والمجالات التي يغطيها، إذ يوحي لنا مفهوم « التصميم » في الغالب بإعطاء البعد الجمالي للأشياء، وعليه سعت شركة IDEO إلى تقديم دليل تبرز من خلاله مجالات استخدام منهج « التفكير التصميمي » والتي ارتبطت بـ ( IDEO 2015 : 17 ) :

  • .الأنظمة : يتشكل النظام من عناصر متعددة كالمصالح الواحدة، العلاقات، الاحتياجات، والتي هي في حاجة إليها أي منظمة بما فيها المكتبة. وعليه فإن تصميم الأنظمة يقوم على الاندماج المتعدد لخدمات مترابطة يكون لها تأثير، كتصميم شراكات وشبكة علاقات مع المؤسسات التعليمية، الجمعيات بهدف خدمة المنفعة العامة أو البحث عن مقاييس جديدة تجعل المكتبة أكثر فاعلية.

  • .الفضاءات : كثيرا ما يعاني المكتبيون من سوء استخدام المساحات في المكتبة ( القيود المعمارية، الدوائر، المساحات التي تتوفر على أجهزة ضخمة )، يسمح هذا المنهج بمعالجتها، وإعطاء الفرصة لك لإعادة النظر كمصمم لهذه الفضاءات واستغلالها استغلال مثالي، كما أن ما تطرحه التوجهات الحديثة التي تجعل من المكتبات بمثابة « منزل ثاني »، تجعل التفكير في الجانب الجمالي لها سواء في « فضاء العمل » الخاص ﺑ « المكتبي » بما يعطيه القدرة على التركيز والعمل براحة، أو على مستوى الفضاء المخصص للجمهور لجعلهم يقضون أوقات طويلة دون الشعور بتنقلهم.

  • .برامج النشاطات : تعتبر محطة مهمة لاعتماد المنهج، إذ تتشكل هذه البرامج داخل المكتبات في الغالب من سلسلة من الأحداث تبنى عليها، يمكن تعديلها أو تكرارها بأسلوب جديد، والمكتبي في هذه الحالة هو « المصمم » لهذه البرامج، لذلك يحتاج لمعرفة كيفية تسييرها، والموارد التي قد يحتاجها، أو السياق ( المادي، اللامادي ) الذي تطرح فيه.

  • .الخدمات : تسعى المكتبة لتكون محور التحول والتقدم في المجتمع من خلال العمل على تصميم وتطوير خدماتها، تقوم هذه الخدمات في العادة على وسائل ممنهجة كوسائل الاتصال والتكنولوجيا، لذلك يصبح التفكير في تصميم خدمات مساعدة ذات صلة بذلك كأن يقوم المكتبيون بتدريب الكبار كيفية استخدام هذه التكنولوجيا لتحقيق المساواة.

ما يجب التأكيد عليه وهو أن هذا الدليل ليس معيارا لجميع المشكلات والتحديات التي تواجه المكتبات في العالم، حيث اقتصر انجازه على تجارب بعض المكتبات في دول أمريكا الشمالية، ودول شمال أوروبا، والدول الاسكندينافية، وهذا ما يفسر نشر هذا الدليل باللغتين الانجليزية والفرنسية فقط؛ وعليه فإن الغاية من هذا الدليل هو تسهيل وتبسيط هذا المنهج وذلك بهدف إتاحة الفرصة لجميع المكتبيين للعمل به داخل مكتباتهم، ولذلك يركز هذا الدليل على :

  • تصورات وتمثلات القائمين على هذه المؤسسات : حيث يهدف هذا الدليل إلى تقريب هذا المنهج من تصورات وتمثلاث مدراء المكتبات، وذلك بتقديم الأسباب الحقيقية لاعتماد التفكير التصميمي.

  • متطلبات تكوين فريق : يقدم هذا الدليل الآليات والإرشادات اللازمة لتكوين فريق بجميع مكوناته.

  • عادات العمل واللوجيستية : يشرح هذا الدليل بصفة موجزة أساليب وعادات العمل ( نشر الأفكار، تنظيم الوقت، وسائل الاتصال، المرئية...) التي تسهل عليك الاكتشاف التدريجي للتفكير التصميمي IDEO 2015 : 18 ).

5. فرص العمل بمنهج التفكير التصميمي في شبكة مكتبات المطالعة العمومية بالجزائر

تقع المكتبات ومؤسسات المعلومات في الجزائر في تقاطع العديد من الإشكاليات التي ترتبط بالتحولات والتغيرات الجديدة التي تفرضها البيئة الاجتماعية، والحضرية، والتكنولوجية، يبرز هذا من خلال إعادة تنظيم وهيكلة المؤسسات القديمة، أو من خلال إنشاء مؤسسات جديدة بتصاميم هندسية ومعمارية حديثة تحترم المعايير الوطنية والدولية المعمول بها، وإدخال تقسيم نمطي جديد للمساحات يراعي النمو الديمغرافي والتحول التكنولوجي، ما يمكنها من التنويع في خدماتها، وبرامجها ونشاطاتها، والخوض في الكثير من التجارب، وهو ما يطرح فكرة إعادة التفكير في نطاق عملها وعلاقاتها بشركائها الفاعلين، والتعريف بصورتها الجديدة التي تضعها في قلب السياسة التسويقية الحضرية، غير أن غياب سياسة وطنية واضحة وصريحة لهذه الفضاءات يخلق نوعا من الغموض والتعقيد في طريقة تسييرها وهو ما نلتمسه في الخطابات والتصريحات التي تتكرر بصفة مستمرة في أعمال الملتقيات والمؤتمرات من طرف المدراء والمكتبيين القائمين عليها، أو التي تشير إليها الدراسات الأكاديمية المقدمة من طرف الباحثين، حيث خلق هذا الفراغ تخوف عند هؤلاء المهنيين من الخوض في تجارب الدول الرائدة في هذا المجال بداعي التباين في طبيعة التنظيم الاجتماعي، والظروف والشروط التي تعمل فيها هذه المؤسسات، وهو ما يجعل هذه الفضاءات الجديدة بكل خصائصها والتحولات والتغييرات المرتبطة بها تبقى خاضعة في تسييرها إلى الأساليب والطرق التقليدية والكلاسيكية، وفي هذا السياق نقدم منهج التفكير التصميمي كمورد وفرصة جديدة لهذه المكتبات لتخلق لنفسها هوية.

بناءا على ما سبق قمنا بإجراء دراسة استقصائية اثنوغرافية في شبكة مكتبات المطالعة العمومية بالغرب الجزائري، نحاول من خلالها التعرف على تمثلاث المكتبيين حول التغيرات والتحولات التي تمس هذه المؤسسات، ومدى اطلاعهم ودرايتهم بمنهج التفكير التصميمي ومجالات استخدامه، والنشاطات التي تندرج تحته، وقد شملت الدراسة مجموعة من المكتبيين بلغ عددهم 52 مكتبي على اختلاف رتبهم وأسلاكهم الذين يحددهم المرسوم التنفيذي رقم 08-383 مؤرخ في 28 ذي القعدة عام 1429 الموافق 26 نوفمبر سنة 2008، يتضمن القانون الأساسي الخاص بالموظفين المنتمين للأسلاك الخاصة بالثقافة.

1.5. التحولات والتغييرات الجديدة في شبكة مكتبات المطالعة العمومية :

نحاول من خلال هذا العنصر التعرف على أهم التحولات والتغيرات التي ارتبطت بهذه المكتبات من وجهة نظر المكتبيين الذين يسيرونها، وقد خلصت هذه الدراسة الميدانية إلى النتائج التالية :

الجدول رقم (01) : يوضح أوجه التحول والتغيير الذي مس شبكة مكتبات المطالعة العمومية

أوجه التغيير في شبكة مكتبات المطالعة العمومية

التكرار

النسبة

المكانة التي تحظى بها في السياسة العامة

11

 %13,1

المهام المكلفة بها

18

 % 21,4

الميزانية المخصصة لها

12

 % 14,3

الخدمات التي تقدمها

29

 % 34,5

الموقع الجغرافي في التخطيط الحضري العمراني

14

 % 16,7

المجموع

84

 % 100,0

الشكل رقم (01) : يوضح أوجه التحول والتغيير الذي مس شبكة مكتبات المطالعة العمومية

يحدد الجدول رقم (01) – الشكل البياني رقم ( 01 ) متوسط أوجه التغيير التي مست هذه المكتبات حسب تمثلات المكتبيين، حيث يشير فئة من المبحوثين ممثلين بنسبة 34,5 % على وجود تحول على مستوى الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات والتي تعطي أهمية للخدمات غير الوثائقية بشكل موازي للخدمات الوثائقية، كما ترى فئة أخرى ممثلين بنسبة % 21,4 أن هذا التحول مس المهام القاعدية التي أصبحت مكلفة بها والتي تبقى غير مترجمة، في حين تعتبر فئة أخرى ممثلة بنسبة % 16,7 أن التغيير مس الموقع الجغرافي الذي تحظى به هذه الفضاءات في الفضاء العمراني الحضري، كما ترى فئة أخرى ممثلة بنسبة %14,3 أن التحول الوحيد الذي مس هذه المكتبات مرهون بارتفاع نسبي في ميزانيتها والتي ترتبط أساسا بالارتفاع المسجل في ميزانية الثقافة منذ سنة 2002 نتيجة لتحسن الأوضاع الاقتصادية، وعليه يبقى نشاطها مرهون بهذه الظروف والشروط الاقتصادية والتنظيمية، بينما ترى فئة أخيرة ممثلة بنسبة % 13,1 أن التغيير الذي مس شبكة مكتبات المطالعة العمومية هو في المكانة التي أصبحت تحظى بها في السياسة العامة للسلطات العمومية.

ولتعليل هذه التمثلاث المرتبطة بأوجه التحول والتغيير التي مست شبكة مكتبات المطالعة العمومية حاولنا معرفة مكانة هذه المكتبات انطلاقا من نشاطاتها وبرامجها التي تقدمها للجمهور، وقد جاءت نتائج الدراسة موضحة في الجدول الآتي :

الجدول رقم (02) : مكانة المكتبات في تمثلات المكتبيين

مكانة المكتبة انطلاقا من نشاطاتها وبرامجها التي تؤديها

التكرار

النسبة

فضاء لإعارة الوثائق

30

 % 57,7

فضاء لإنجاز البحوث والأعمال الشخصية

13

 % 25,0

فضاء إعلام ومساعدة الجمهور

7

 % 13,5

فضاء الالتقاء وتشكيل العلاقات بين الأفراد

2

 % 3,8

المجموع

52

 % 100,0

الشكل البياني رقم (02) : مكانة المكتبات في تمثلات المكتبيين

Image 1000020100000280000001DB9ADC5CF2CAE8E0C4.png

يوضح الجدول رقم (02) – الشكل البياني رقم (02) تمثلات المكتبيين حول مكانة هذه المكتبات، ونسجل إثر ذلك فرق دال إحصائيا في النسب المتحصل عليها، حيث ينظر الكثير من المبحوثين ممثلين بنسبة 57,7 % على أنها فضاء لإعارة الوثائق، ثم تأتي فئة أخرى ممثلة بنسبة 25 % تنظر إلى هذه الشبكة على أنها فضاءات لانجاز البحوث والأعمال الشخصية، بينما تصنفها فئة ممثلة بنسبة 13,5 % كفضاء لإعلام ومساعدة الجمهور، في حين تنظر فئة قليلة من هؤلاء المبحوثين ممثلين بنسبة 3,8 % إلى أن شبكة مكتبات المطالعة العمومية فضاءات للالتقاء وتشكيل العلاقات بين الأفراد.

تأثر هذه التمثلات بشكل قوي على عمل هذه المكتبات وتحد من فرصها في الارتقاء إلى مستوى التطورات والتحولات التي تشهدها هذه الفضاءات التي تفرضها البيئة الاجتماعية والحضرية والتكنولوجية، حيث يتم استغلال هذه الفضاءات من طرف الطلبة والتلاميذ والتي تمثل نسبة 70 % إلى 80 % من مكتبة إلى أخرى من مجموع المنخرطين بهذه المكتبات؛ يعكس هذا النظرة الكلاسيكية التي لا تزال معتمدة في تسيير هذه المؤسسات والتي لا تتماشى مع فلسفة هذه المؤسسات والسياقات التي طورت من خلالها هذه الشبكة في الجزائر، وعليه فإن استمرار هذه المكتبات في العمل بهذه الإستراتيجية يفقدها حيويتها، ويجعلها بعيدة عن الأدوار الجديدة التي أصبحت تؤديها في الحياة العامة، فكونها خدمة عمومية هذا يجعلها مطالبة بتقديم خدماتها لجميع المواطنين بنفس درجة الاستفادة.

على ضوء ما سبق نحاول التأكد من خلفية هذه المكانة التي تحظى بها هذه المكتبات في تمثلاث المكتبيين، وطبيعة تصور برامجها ونشاطاتها التي يربطها هؤلاء المبحوثين بشكل أساسي بالخدمات الوثائقية، فهل تعود هذه الصورة الراسخة في تمثلات المكتبيين إلى السياسات العامة التي تحددها السلطات الوصية والتي تقيد عمل هذه المكتبات، أو أن المجال مفتوح لهؤلاء المكتبيين لتقديم المبادرات التي تسمح بتطوير هذه الفضاءات، وهو ما جاء موضحا في الجدول التالي :

إشراك المكتبيين في تصميم برامج ونشاطات المكتبة إشراك المكتبيين في تصميم برامج ونشاطات المكتبة

الجدول رقم (03) : إشراك المكتبيين في تصميم برامج ونشاطات المكتبة

إشراك المكتبيين في تصميم البرامج، الخدمات، والنشاطات بالمكتبة

التكرار

النسبة

نعم

43

82,7 %

لا

9

17,3 %

المجموع

52

100,0 %

الشكل البياني رقم (03) :إشراك المكتبيين في تصميم برامج ونشاطات المكتبة

Image 1000020100000280000001EE7F496A283DA9CBA7.png

يوجد فرق دال إحصائيا في الجدول رقم (03) الشكل البياني رقم (03) حيث يجمع أغلبية المبحوثين ممثلين بنسبة 82,7 % على التواصل القائم والاتصال الدائم بينهم وبين مدرائهم، بحيث يتم إشراكهم في تصميم البرامج، الخدمات، والنشاطات بالمكتبة، بينما نجد نسبة 17,3 % يقرون بعدم إشراكهم في هذه العملية، وعليه فإن المسؤولية الأكبر في الفجوة الثقافية والمعرفية التي تعرفها هذه الفضاءات تقع على عاتق هؤلاء المكتبيين سواء في التأقلم مع التحولات والتغيرات الجديدة والتي تجعل هذه الفضاءات أماكن للأنس والتعايش الاجتماعي والذي يرد في هذا السياق الكثير من المفاهيم كـ « الفضاء الثالث »، و« المكتبات التشاركية »، أو في التواصل مع جمهورها والذي يقتصر حاليا داخل شبكة المطالعة العمومية بالجزائر بفئة التلاميذ والطلبة والتي تعتبر خطر ووهم لهذه المؤسسات، يجعلها ذلك تعرف إقبالا خلال الفصول الدراسية بينما تعرف فراغ عمومي خلال العطل، كما أن إقصاء فئة من هؤلاء المكتبيين في هذه العملية يؤكد على استمرارية تسيير هذه المؤسسات بالطرق التقليدية الكلاسيكية والتي تخضع للسلطة التي يتمتع بها المسيرين وهو ما يؤثر على أداء المجموعة.

يقدم المكتبيون داخل شبكة مكتبات المطالعة العمومية تفسيرا واحدا لهذه الوضعية التي تمر بها وهو القيود والشروط التي تضعها السلطات العمومية الوصية على هذه المكتبات، دون إعطاء تفسير علمي وحقيقي للفجوة والركود الذي تشهده هذه الفضاءات، والذي يرجعونه إلى الأسباب التالية :

الجدول رقم (04) : الصعوبات التي تواجه المكتبيين في عملية تصميم الخدمات

الصعوبات التي تعترض المكتبي لتطوير شبكة مكتبات المطالعة العمومية

التكرار

النسبة

غياب النصوص القانونية

13

15,7 %

التعقيد في الإجراءات الإدارية

8

9,6 %

نقص الموارد (البشرية، المادية)

35

42,2 %

التنوع في احتياجات الجمهور

27

32,5 %

المجموع

83

100,0 %

الشكل البياني رقم (04): الصعوبات التي تواجه المكتبيين في عملية تصميم الخدمات:

Image 10000201000002800000021711C4F2D7475CA9D4.png

يوضح الجدول رقم (04) – الشكل البياني رقم (04) أهم الصعوبات التي تعيق عمل المكتبيين في تصميم البرامج، والنشاطات، والخدمات داخل شبكة المطالعة العمومية، حيث يرجع المبحوثين ممثلين بنسبة 42,2 % ذلك إلى نقص في الموارد البشرية وحتى المادية، والتي تمنع الإلمام بكافة احتياجات الجمهور المتنوع والعريض، وهو ما يؤكد عليه المبحوثين في المرتبة الثانية ممثلين بنسبة 32,5 %، حيث يصعب التحكم في الجمهور العريض والمتنوع مع العدد القليل للموظفين على رأس هذه المؤسسات، ثم يصنف بعدها المكتبيين غياب النصوص القانونية التي تضبط سير وتنظيم هذه المكتبات كأحد الأسباب التي تمنع تطوير خدماتها بنسبة 15,7 %، كما جاءت الصعوبات الإدارية التي يتلقاها المكتبي عند اقتراح مشروع عمل جديد في المرتبة الرابعة بنسبة 9,6 %، حيث يجد المكتبي نفسه أمام مواجهة التحديات التي ترتبط بالتحولات الجديدة في الممارسات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية للجمهور، وأمام تحدي الإدارات التي تعيق عمله.

تشكل جميع هذه الصعوبات التي يطرحها المكتبيين بشبكة المطالعة العمومية مؤشرات قوية لإعادة التفكير في المناهج والأساليب المعتمدة في التسيير والتي لا تزال تعتمد سياسة الإقصاء والتهميش لبعض الموظفين ما يخل بالعمل الجماعي داخل هذه المؤسسات ويؤثر ذلك على عملها، كما أن هذه السياسة لا تتماشى مع الوضع المادي لها والذي يتطلب إشراك الجمهور في تطوير هذه البرامج، والنشاطات، والخدمات لتفادي تمرير الوقت وإنفاق المال في الأفكار التي لا تلبي الاحتياجات الحقيقية للجمهور.

كما تعتبر النصوص القانونية مهمة لتطوير واستمرارية هذه المكتبات، حيث ورد في إعلان اليونسكو لسنة 1994 على أن هذا النوع من المكتبات في حاجة إلى « نصوص قانونية خاصة في عملية تأطيرها »، وهو نفس ما جاء في تصريحات الإفلا على أنه لابد من ترسيم منظومة قانونية تسمح لهذه المكتبات بإبراز مكانتها في الهيكل الحكومي، وتضمن استمراريتها، غير أن المشرع الجزائري يستخدم كلمة « الخصوص » وكلمة « لاسيما » في النصوص القانونية التي تحدد مهام هذه المكتبات، وهذه الكلمات تستخدم في العادة لإخراج بعض ما يتناوله الخطاب، كما أنه لا يوجد في مقابله نصوص تمنع القيام بمهام أخرى، بل على العكس من ذلك فإن المرسوم التنفيذي رقم 08-383 مؤرخ في 28 ذو القعدة 1429 هـ الموافق ﻟ 26 نوفمبر 2008، يتضمن القانون الأساسي الخاص بالموظفين المنتمين للأسلاك الخاصة بالثقافة؛ ينص على ضرورة « القيام بالأبحاث والدراسات والتحقيقات لاسيما تلك الخاصة بتسيير المكتبات ومراكز الوثائق ومراكز المحفوظات وتنظيمها ».

2.5. منهج التفكير التصميمي في شبكة مكتبات المطالعة العمومية : المفهوم وتصور الممارسات

بناءا على ما سبق من قرائن ومؤشرات تضع هذه المكتبات والمكتبيين أمام حتمية إعادة التفكير في طبيعة المناهج والأساليب المعتمدة في التسيير، كما أن ما جاء في النص القانوني الصريح في المرسوم التنفيذي رقم 08-383 الذي يؤكد على ضرورة القيام بالأبحاث والدراسات المتعلقة بتسيير هذه المؤسسات، قمنا بهذه الدراسة الاستقصائية الاثنوغرافية لتقديم أحد المناهج الجديدة والمبتكرة في تسيير المكتبات ومؤسسات المعلومات وهو منهج « التفكير التصميمي »، لنحاول معرفة مدى دراية واطلاع المبحوثين بهذا المنهج، وعلاقته بالمكتبات، والمهارات الجديدة التي يتطلبها هذا المنهج.

الجدول رقم (05) : يوضح اطلاع المكتبيين بمفهوم التفكير التصميمي

يوضح اطلاع المكتبيين بمفهوم التفكير التصميمي يوضح اطلاع المكتبيين بمفهوم التفكير التصميمي

اطلاع المكتبيين بمفهوم التفكير التصميمي

التكرار

النسبة

نعم

7

13,46 %

لا

45

86,53 %

المجموع

52

100,0 %

الشكل البياني رقم (05): يوضح اطلاع المكتبيين بمفهوم التفكير التصميمي

Image 1000020100000280000000D78396181DE86F71B7.png

نلحظ من خلال نتائج الجدول رقم (05) – الشكل البياني رقم (05) فرق دال إحصائيا في النسب المتحصل عليها حول اطلاع ودراية المكتبيين بمفهوم التفكير التصميمي، حيث نجد نسبة 86,53 % من المكتبيين على مختلف مستوياتهم ورتبهم على غير اطلاع بمفهوم التفكير التصميمي، بينما فئة قليلة من المكتبيين ممثلين بنسبة 13,46 % لهم اطلاع بمفهوم التفكير التصميمي، ويعود هذا إلى عدة أسباب منها قلة الدراسات والأبحاث المنشورة باللغة العربية حول هذا المنهج في علوم المكتبات، والتي تشرح أساسيات توظيفه في المكتبات ومؤسسات المعلومات، على الرغم من أنه تم تنظيم العديد من الملتقيات الوطنية حول الابتكار والتطوير داخل شبكة مكتبات المطالعة العمومية، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية والتي تفرض على هذه المكتبات التعامل مع مواردها وميزانيتها بحذر، وفي نفس الوقت هي مطالبة بتقديم خدمة عمومية ذات جودة ترقى بالكتاب والقراءة والمطالعة، إلا أنه لم يتم التعرض إلى هذا المنهج الذي يقع في قلب الوضعية الراهنة لهذه المؤسسات.

كما يعود اطلاع فئة قليلة من المبحوثين بهذا المفهوم إلى بعض القراءات التي يقومون بها في مجال تخصصهم بهدف تكوين ذاتهم وتطوير مهاراتهم، والتي قدمنا من خلالها عملا نشر بالمجلة المغاربية للتوثيق والمعلومات التي تصدر عن المعهد العالي للتوثيق بتونس بعنوان « منهج التفكير التصميمي في المكتبات : فرص التطبيق في المكتبات العمومية بالجزائر »، قمنا من خلاله بالبحث في السياقات التي أنجز من خلالها مشروع شبكة المطالعة العمومية على المستوى القانوني، والاقتصادي، التصورات والممارسات، لنوضح بذلك جميع المؤشرات والقرائن التي تجعل تطبيق منهج التفكير التصميمي ممكنا داخل هذه الفضاءات.

الجدول رقم (06): يوضح علاقة منهج التفكير التصميمي بالمكتبات

يوضح علاقة منهج التفكير التصميمي بالمكتبات يوضح علاقة منهج التفكير التصميمي بالمكتبات

علاقة مفهوم التفكير التصميمي بالمكتبات

التكرار

النسبة

إضفاء البعد الجمالي على المكتبات

48

 % 92,30

التركيز على الجمهور في تطوير الخدمات

4

 % 7,69

المجموع

52

 % 100

الشكل البياني رقم (06): يوضح علاقة منهج التفكير التصميمي بالمكتبات

Image 1000020100000280000001FD7A384A6D194647AC.png

تأتي نتائج الجدول رقم (06) – الشكل البياني رقم (06) لتؤكد على ما تم تقديمه في الجدول السابق حول غياب مفهوم التفكير التصميمي في ثقافة المكتبيين، حيث وحسب النتائج المتحصل عليها من خلال هذا الجدول الذي يرتبط بعلاقة مفهوم التفكير التصميمي بالمكتبات، نجد أن فئة كبيرة من المبحوثين ممثلين بنسبة 92,30 % يجدون أن المفهوم يمس البعد الجمالي للمكتبات، وهذا يعود بطبيعة الحال إلى ما يوحي به المفهوم في ظاهره إذ تشير كلمة التصميم Design في الغالب إلى كل ما يرتبط بالبعد جمالي وزيادة الجاذبية للأشياء، بينما ترى فئة قليلة ممثلة بنسبة 7,69 % ممن لهم اطلاع بالمفهوم إلى أنه منهج يركز بشكل أساسي وقوي على الجمهور في تطوير خدمات المكتبات.

يعود غياب هذا التصور داخل شبكة المطالعة العمومية إلى السياسة الثقافية للسلطات العمومية، والتي تضع وتحدد المفاهيم، والبرامج والنشاطات بعيدا عن الجمهور، فبالنسبة للسلطة الوصية أن هذه الفضاءات تخدم أغراض ثقافية وتعليمية من خلال مجموعاتها الوثائقية وهو أمر لا جدال فيه، إذ يشكل الأساس لإنشاء هذه المكتبات، على الرغم من أنها تتبنى في خطاباتها مصطلحات جديدة كـ « الديمقراطية الثقافية » و« دمقرطة الثقافة » والتي تتطلب تكييف كلي للخدمات بناءا على طلب المستخدمين، إلا أنها لا تترجم فعليا على ارض الواقع، بل تعتبر هذه المصطلحات وسيلة لنشر الأعمال والبرامج، وتجاوز العقبات الرمزية لاستقبالهم، مما يجعل هذه المكتبات والقائمين عليها ملزمين بإتباع هذه الشروط والقيود التي تضعها السلطات العمومية، كما يتخذون منها ذريعة قوية ومنهج لحماية أنفسهم، وتبرير النقائص، أو أيضا للقياس والحديث عن ما تحققه وما تصل إليه هذه المكتبات من وراء خدماتها المعتمدة حاليا التي تملى بشكل أفقي.

تشكل الخدمات المفتاح لتفسير علاقة هذه المكتبات بالجهور ( القراء )، والذي أصبح لابد من التقرب منهم شيئا فشيئا باعتبارهم شرط أساسي لديمومتها، ومحاولة التكيف مع الممارسات الجديدة، والابتعاد تدريجيا عن الممارسات التقليدية والروتينية دون إقصاء مهمتها الفعلية المتمثلة في ضمان حق الجميع في الوصول والحصول على المعلومات، والمعرفة، والثقافة، وهو ما يتحقق من خلال اعتماد منهج التفكير التصميمي.

الجدول رقم (07) : يوضح أسباب غياب منهج التفكير التصميمي في شبكة مكتبات المطالعة العمومية في شبكة مكتبات المطالعة العمومية

أسباب غياب منهج التفكير التصميمي في شبكة مكتبات المطالعة العمومية

التكرار

النسبة

نقص المدربين حول هذا المنهج

18

 % 34,6

عدم تكوين المكتبيين على هذه المناهج في التسيير في علم المكتبات

29

 % 55,8

غياب ورشات العمل حول تطوير هذا المنهج في عمل المكتبيين

5

 % 9,6

المجموع

52

 % 100,0

الشكل البياني رقم (07): يوضح أسباب غياب منهج التفكير التصميمي في شبكة مكتبات المطالعة العمومية

Image 100002010000028000000179599432427349BB1B.png

يوضح الجدول رقم (07) – الشكل البياني رقم (07) المرتبط بأسباب غياب منهج التفكير التصميمي داخل شبكة مكتبات المطالعة العمومية، والذي يعود بالدرجة الأولى حسب تمثلات المكتبيين إلى عدم تكوين المكتبيين على هذا المنهج خلال فترة تكوينهم الجامعي في علوم المكتبات والمعلومات، وقد حظيت هذه الإجابة بنسبة 55,8 %، سواء بالنسبة للمقاييس التي تتعلق بتنظيم وتسيير أنظمة المعلومات على مستوى الليسانس، أو حتى على مستوى تخصصات الماستر خاصة وأنه أصبح هناك تخصصات تهتم بالإدارة والتسيير داخل أنظمة المعلومات، إلا أنها تهمش هذه الأساليب والمناهج التي تحاكي بشكل أساسي وقوي الشروط والظروف التي تعمل فيها هذه المؤسسات في الجزائر، وكذلك هو الأمر بالنسبة للدراسات التطبيقية على مستوى مراكز التكوين المهنية، أما السبب الثاني ممثلا بنسبة 34,6 % يعود إلى نقص المدربين في هذا المنهج، وهذا ما يؤدي بالضرورة إلى السبب الثالث في ترتيب إجابات المبحوثين بنسبة 9,6 % إلى غياب ورشات حول تطوير هذا المنهج في عمل المكتبيين.

خاتمة

يدرك المكتبيون على مستوى شبكة مكتبات المطالعة العمومية بالجزائر جيدا التحديات والصعوبات التي تواجههم إثر ما تمر به هذه الفضاءات في العالم من تحولات وتغيرات تفرضها البيئة الاجتماعية، والحضرية، والتكنولوجية، أفرزت هذه الأخيرة عن العديد من المفاهيم، والتصورات والممارسات الجديدة التي لا يمكن الاستغناء عنها لاستمرارية وديمومة شرعيتها داخل المجتمعات، وعليه يجد القائمين عليها أنفسهم أمام حتمية الاستجابة لهذه التحولات والتغيرات من أجل الارتقاء بشبكة المطالعة العمومية إلى المستوى الذي تصل إليه الدول التي تصنع مكتبات قوية، في حين يفتقرون إلى المناهج والأساليب الحديثة التي تسمح لهم بتفعيل هذه الاستجابة والتي نقدم من خلالها في هذه الدراسة منهج التفكير التصميمي.

أدى غياب ثقافة التفكير التصميمي في تمثلات المكتبين داخل شبكة مكتبات المطالعة العمومية بهذه الدراسة إلى تضييق الممارسات والحد من نطاق عمل هذه المكتبات، إذ يجعلها ذلك مرهونة بالشروط والظروف الاقتصادية التي تملي عليها القيام بنشاطات معينة ومحدودة ترتبط بالأحداث والمناسبات.

أثبتت الدراسة تخوف المكتبيين من الخوض في ابتكار وتطوير خدمات، أو برامج ونشاطات، أو بناء علاقات وشراكات جديدة خارج حدود ما تمليه السلطات الوصية من خلال الاتفاقيات المبرمة مع قطاعات أخرى في إطار التعاون، والذي يعود حسب ما تترجمه إجاباتهم إلى انعدام الآليات والمتطلبات القانونية، والتسييرية، والاقتصادية، والتكنولوجية اللازمة لإحداث التغيير؛ وعليه جاءت دراستنا لتقدم « التفكير التصميمي » كمنهج يسمح لجميع المكتبات للانطلاق في حل المشكلات العميقة التي تواجهها بشكل متواضع حتى ترتقي إلى مستوى اكبر في تصميم الفضاءات، والخدمات، والعلاقات، وبرامج النشاطات وغيرها.

يمنح منهج التفكير التصميمي الفرصة لجميع المكتبيين للخوض في تجسيد وتفعيل مشاريع تشرك جميع المواطنين والفاعلين في هذه العملية، ما يضمن لها :

  • تطوير خدمات بشكل سريع وغير مكلف؛

  • اكتساب المكتبيين لمهارات جديدة؛

  • ربح الوقت.

يعمل منهج « التفكير التصميمي » على إعطاء هوية للمكتبات التي تعيش تجربة ملموسة مع المستخدمين، وهو ما يجعلها تتطور عبر مراحل منتظمة بعيدا عن التقليد والمحاكاة للتجارب السابقة المعتمدة في الدول التي تعرف مكتبات قوية.

ما يجب التأكيد عليه في الأخير وهو أن منهج « التفكير التصميمي » ليس منهجا أو وسيلة فقط، بل هو طريقة تشجع على التفكير والعمل الجماعي وهو أحد الأدوار المهمة التي يتطلب على المكتبات تبنيها وتفعيلها، وعليه يفتح هذا العمل البحثي المجال للمهنيين في الجزائر والعالم العربي للبحث والتعمق أكثر في هذا المفهوم.

دموش، أوسامة، ( 2017 )، « منهج التفكير التصميمي في المكتبات : فرص التطبيق في المكتبات العمومية بالجزائر »، المجلة المغاربية للتوثيق والمعلومات، المعهد العالي للتوثيق، ع.26.

Christopher, K., (2018, September 8), Lean Expectations — PoC, Prototype, MVP. Retrieved from https://medium.com/@klappy/lean-expectations-poc-prototype-mvp-140749383fd4(accessed August 23, 2019)

Golsenne, T., ( s.d.), L’homme est la mesure de toutes choses (ou comment l’humanisme de la Renaissance est fondé sur deux malentendus). Accès : https://books.openedition.org/editionsmsh/1738 ?lang =fr#authors (Consulté le 20.08.2019)

IDEO, (2015), Design Thinking for Libraries, Retrieved from file :///D :/Telechargements/Libraries-Toolkit_2015.pdf (accessed August 23, 2019)

IDEO. ( 2016 ), Design Thinking In A Day : an At-a-Glance Guide for Advancing Your Library. Retrieved from file :///D :/Telechargements/Libraries-Toolkit_At-aGlance_2015.pdf(accessed August 23, 2019)

Kelley, T., (2005 ), The Ten Faces of Innovation : IDEO’s Strategies for Defeating the Devil’s Advocate and Driving Creativity Throughout Your Organization, Currency/Doubleday.

Mathieu F., & Hillen V., (2016), Le design thinking par la pratique : de la rencontre avec l’utilisateur à la commercialisation d’un produit innovant pour les seniors. Paris : Eyrolles.

Tiphaine, G., (2016), Innover en France avec le design thinking, (Mémoire de Mastère, école national supérieure de création industrielle). Accès : http://www.ensci.com/file_intranet/mastere_ibd/Memoire_GAMB A_tiphaine_Design_thinking.pdf (Consulté le 25.07.2019 )

الصورة رقم 01 : عناصر التحفيز في منهج « التفكير التصميمي » حسب Tim Brown

الصورة رقم 01 : عناصر التحفيز في منهج « التفكير التصميمي » حسب Tim Brown

المصدر : (Mathieu, F., & Hillen, V. ,2016, p. 17 )

الصورة رقم 02 : يوضح خطوات منهج التفكير التصميمي

الصورة رقم 02 : يوضح خطوات منهج التفكير التصميمي

المصدر : ( IDEO, 2016, p. 8 )

الصورة رقم 03 : يوضح مراحل توليد الأفكار

الصورة رقم 03 : يوضح مراحل توليد الأفكار

المصدر : ( Christopher, K., 2018 )

الشكل البياني رقم (02) : مكانة المكتبات في تمثلات المكتبيين

الشكل البياني رقم (02) : مكانة المكتبات في تمثلات المكتبيين

الشكل البياني رقم (03) :إشراك المكتبيين في تصميم برامج ونشاطات المكتبة

الشكل البياني رقم (03) :إشراك المكتبيين في تصميم برامج ونشاطات المكتبة

الشكل البياني رقم (04): الصعوبات التي تواجه المكتبيين في عملية تصميم الخدمات:

الشكل البياني رقم (04): الصعوبات التي تواجه المكتبيين في عملية تصميم الخدمات:

الشكل البياني رقم (05): يوضح اطلاع المكتبيين بمفهوم التفكير التصميمي

الشكل البياني رقم (05): يوضح اطلاع المكتبيين بمفهوم التفكير التصميمي

الشكل البياني رقم (06): يوضح علاقة منهج التفكير التصميمي بالمكتبات

الشكل البياني رقم (06): يوضح علاقة منهج التفكير التصميمي بالمكتبات

الشكل البياني رقم (07): يوضح أسباب غياب منهج التفكير التصميمي في شبكة مكتبات المطالعة العمومية

الشكل البياني رقم (07): يوضح أسباب غياب منهج التفكير التصميمي في شبكة مكتبات المطالعة العمومية

دموش أوسامة

جامعة جيلالي اليابس- سيدي بلعباس ( الجزائر )مختبر البحث في أنظمة المعلومات والأرشيف بالجزائر

© 2017 Aleph, langues, médias et sociétés