الإدراك في اللسانيات الحديثة - تصور تشومسكي - أنموذجا

La perception en linguistique moderne - la conception de Chomsky - est un paradigme

Perception in modern linguistics - Chomsky's conception - is a paradigm

فقاص حفصة

Citer cet article

Référence électronique

فقاص حفصة, « الإدراك في اللسانيات الحديثة - تصور تشومسكي - أنموذجا », Aleph [En ligne], mis en ligne le 13 avril 2021, consulté le 28 octobre 2021. URL : https://aleph-alger2.edinum.org/3779

يعد الإدراك أحد المفاهيم الأساسية في العلوم المعرفية وهو على قدر كبير من الأهمية في النشاط اللغوي في الظروف العادية وهو ما قادنا إلى الاهتمام به,خاصة أن اللسانيات في الآونة الأخيرة قد تفاعلت والعلوم المعرفية لتفسير كثير من الظواهر اللغوية ,وقد لفت انتباهنا أن« نوام تشومسكي» قد أعطى حيزًا للإدراك في محاولته الإحاطة بالتأدية ومسارات تحققها ,وقد قدم في هذا الشأن نموذج الإدراك في كتابه « الطبيعة الصورية للغة » الذي كان حافلاً بالقضايا التي تمس شكل اللغة أو جانبها الصوري, وقد توصلنا من خلال عملناً أنّ تشومسكي لم يكن الوحيد في هذا المسعى .

Le concept de la perception est l'un des concepts de base des sciences cognitives et il est d'une grande importance dans l'activité linguistique chez l’individu, ce qui nous a amené à y prêter attention c'est que la linguistique ces derniers temps a interagi avec les sciences cognitives pour expliquer de nombreux phénomènes linguistiques et c'est ce qui a poussé Noam Chomsky a donné un espace à la perception dans sa tentative de comprendre la performance en imaginant un dispositif capable d'expliquer les processus cognitifs qui est le modèle de perception.

The concept of perception is one of the basic concepts in cognitive sciences and it is of great importance in linguistic activity in normal circumstances, and it is what led us to pay attention to it, especially since linguistics in recent times has interacted with cognitive sciences to explain many linguistic phenomena This prompted Chomsky to think of a model that explains the interference of perception in the linguistic process through perception model.

مقدّمة

إن الادراك عملية معرفية معقدة تمكن الإنسان من التعرف على محيطه والتأقلم معه، وهي عملية لا شعورية ضرورية في كل الميكنزمات المعرفية التي يقوم بها كالتواصل والتعلم، فلا يمكن أن نتواصل أو نتعارف أو نتنقل دون إدراك معطيات محيطنا وتخزين المعلومات المتعلقة به واسترجاعها، وهو ما يعني أنه جزءٌ لا يتجزأ من المعرفة التي تعتمد على مجموعة من الإدراكات المتراكمة والمخزنة في الذاكرة ويعد الذكاء الوسيلة الانجع للقدرة على استرجاعها واستعمالها في مواقف متعددة ومختلفة.

يرمي هذا المقال إلى إلقاء الضوء على مفهوم ذو أهمية بالغة في النشاط اللغوي من الناحية المعرفية، هو الإدراك وتتمثل اشكالية مقالنا في التساؤل الٱتي : ما دور الإدراك في النشاط اللغوي، ليس من حيث ما جاءت به العلوم المعرفية,وإنّما من حيث ما قدمته اللسانيات الحديثة؟ وقد بنينا عملنا على الافتراض القاضي بأن نموذج الإدراك الذي قدمه تشومسكي في كتابه « الطبيعة الصورية للغة» يمثل أوضح وأنضخ تصور لساني للإدراك ومسارات تدخله في النشاط اللغوي.

1. الإدراك والذاكرة

1.1. أنواع الإدراك

يعرف الإدراك بكونه القدرة على تلقي ومعالجة المعلومات التي تردنا عبر حواسنا بطريقه نشطة، وهو عملية معرفية معقدة تتنوع بتنوع الحواس المتدخلة فيها وهو عملية تمكن الفرد من التعرف على عالمه والتأقلم معه. وقد عرّف أيضاً بكونه عملية تنظيم وتفسير المعطيات التي تصلنا من المحيط وهو يشمل التفسير وهذا ما لا يشمله الاحساس. (ينظر : محمود فتحي عكاشه، 2000 : 286)

إن الإدراك عملية معقدة وضرورية للتعلم والتواصل والتذكر من خلال الاختيار الأنسب للأنماط السلوكية المناسبة لوضعيات معينة كما أن ارتباطه بالجانبين الحسي والعقلي يجعله عملية معرفية ذات بعدين تعدد أشكالها بتعدد مكونات الجانبين الحسي والعقلي

« إن عملية الإدراك كما نستشفها من خلال الدراسات والكتابات التي اعتنت بها لا تتبدى في شكل أو نشاط واحد وإنما تتضمن عدة خصائص ذات صلة بظروف المحيط وأهداف الأفراد ونوع الإنجازات التي تساعد على تحقيق عملية التمثل لمعرفة العالم ومحيطه من خلال المعلومات المضافة من قبل الحواس .عملية التمثل هي مشروطة بالضرورة بهذه الأنشطة الإدراكية التي تشترط المعالجة الحسية التي تمكن من التعرف على الأشكال والأصوات ونغمات الموسيقي وعلى الكلام المنطوق ...وعلى الكلمات .» (بن عبد الله محمد 41 : 2019)

إن الأنشطة الإدراكية على قدر كبير من الأهمية لأنّها السبيل الأوحد ,كما يؤكده علماء النفس, لتكيُف الإنسان مع محيطه. وينقسم الإدراك إلى نوعين هما :

  1. الإدراك الحواسي : وهو مرتبط بالحواس كالإحساس بالحرارة ورؤية الأشكال المختلفة والعالم المحيط بنا, فهو مجموع الآليات التي تمكن الفرد من تمثل العالم المحيط به, فهو كل المعلومات التي تنقلها إليه حواسه « لكن ليست كل المعلومات التي تستقبلها الحواس يتم تفسيرها ومعالجتها ومنحها المعنى الذي تستحق وإنّما يقتصر الأمر على تلك التي يعيها ويهتم بها ويركز انتباهه عليها » ( بن عبد الله محمد 40 : 2019), وهو ما سنفصل فيه لاحقاً. وبحكم كونه عملية معرفية فهو يمر بعده مراحل هي :
    - الاختيار : أي أن إدراك الشيء يكون محكوماً بأهميته بالنسبة إلي الفرد, هو ما يفسر أنّنا نقوم بإدراك أشياء قبل أخرى ,كما يفسر إمكانية إغفالنا أشياء دون أخرى، حتى إن كان ذلك في المجال الحواسي، كإدراك الطعم المالح بالمقارنة مع أي طعم آخر أو رؤية الألوان الزاهية أكثر من الألوان الباهتة.
    - التنظيم : يقوم الدماغ بمعالجة مجموعة من المعلومات بحسب أهميتها بعد أن يختارها ضمن مجموعة أكبر وتكون عملية التنظيم لاحقه لعملية الاختيار.
    - التفسير : وهو آخر مرحلة من مراحل الإدراك الحواسي بعد الاختيار والتنظيم حيث يقوم الدماغ بتفسير المعلومات الواردة إليه بعد أن تم استبعاد ما لا يعد مهماً، وتتم عملية التفسير بالرجوع إلى عمليات أخرى تخضع لمستويات معرفية أعقد.

  2. . الإدراك العقلي أو المفهومي : إن الإدراك العقلي أعقد من الإدراك الحواسي فهو يتطلب تدخل عمليات عقلية متعددة إضافة إلى المعلومات التي تنقلها الحواس ,ويتمثل في إدراك المفاهيم المجردة التي لا يمكن للحواس نقلها إلى الدماغ ويتطلب عوامل كثيرة منها اللاوعي الفردي واللاوعي الجماعي وثقافة الجماعة التي ينتمي إليها الفرد بالإضافة إلى المستوى الثقافي لهذا الأخير.إن تمثل المعارف لا يتأتى إلاّ من خلال العملية الإدراكية التي تتدخل فيها جملة من الأنشطة المعرفية ,إذ لا يمكن التعلم أو التواصل أو التنقل أو التعرف على المحيط إلا من خلال آليات التذكر والتفكير وحل المشكلات التي ترتبط في الآن ذاته بما خزن في الذاكرة طويلة الأمد ,ذلك لأن المعرفة تقف على مجموع المدركات المخزنة على مر السنين.

يرى « جيروم دو كيك» Jérôme Dokic أن الربط بين البعدين الحسي والعقلي للإدراك يتمثل في الثنائية ( شكل /مضمون)، فإدراكنا لمجموعة من الأشياء المجردة يتم من خلال ما تنقله حواسنا بالاستعانة بما يسمى التأويل المفاهيمي مثل ما جاء عن« ديفيسن» Davidson، حيث يعتبر المجال المفاهيمي النظري للفرد مرجعا ًلفهم وتفسير المعطيات غير المفاهيمية وقبل الإدراكية. (Jérôme Dokic 2004 : 6)

وقد نُقد « دافيدسون» بخصوص فكرته القاضية بعدم امكانية نقل أنماط غير مفهومية أو الاعتماد عليها لتفسير أنماط مفهومية سابقة أو آنية . يرى دافيدسون أن فكرة كون نمط غير مفهومي قادرٌ على تنظيم أو موافقة نمط مفهومي ,فكرة غير متجانسة وهي أقرب ما يكون إلى النسبية المفهومية التي تقضي بإمكانية موافقة نفس المحتوى لأنماط متعددة مفهومية كانت أو غير مفهومية (Jérôme Dokic 2002 : 2).

2.1. العوامل المتدخلة في الإدراك

تتطلب عمليه الإدراك من حيث خصوصيتها المعرفية ومدى تعقيد مساراتها عوامل عديدة هي :

  • الذاكرة.

  • مستوى الذكاء.

  • مكونات المدرك ومدى قوة الاستثارة.

  • الحالة النفسية للفرد.

إن هذه العوامل تفسر اختلاف إدراك العالم من حولنا باختلاف الأفراد، سواء تعلق الأمر بالمدركات الحسية أو المفهومية وهي ذات أهمية قصوى في عملية الإدراك الصحيح لمعطيات العالم الخارجي، وللإدراك دور في آلياتها أيضا حيث يمنح قاعدة للذاكرة من تسجيل وتعرف وتذكر(ينظر : بيار اوليرون، تر محمود براهم، 76 : 2005) وهو ما يعني أن هذه العوامل مجتمعة تكفل التمثل الأمثل سواء تعلق الأمر بالذاكرة أو الذكاء أو قوة استثارة المدرك أو الحالة النفسية للفرد فلكل عامل دور محددٌ وبنسب متفاوتة.

3.1. علاقة الإدراك بالذاكرة 

تحدث العالمان تولفينغ Tulving وشاكتر Schakter عمّا سمياه بالذاكرة الإدراكية وهي تلك التي تسبق أنظمة التمثل قبل الدلالي وتتمثل في المعالجة المعلوماتية الإدراكية للوحدات اللغوية

« وحجتهم في ذلك أنّ الأداءات المعتمدة في الاختبارات الضمنية من النمط الإدراكي واللغوي لا تتطلب معالجة دلالية وإنما ترتبط آثارها الأولية فقط بمعالجة معلومات إدراكية وبنوية» (بن عبد الله محمد 98 : 2019)

يتضمن هذا القول تعبيراً صريحا عن تدخل الإدراك في النشاط اللغوي من خلال مفهوم الذاكرة الإدراكية وآلية المعالجة البنوية.

وقد أثبتت الدراسات العصبية النفسية وجود نظام إدراكي للصورة البصرية للكلمات إضافة إلى نظام إدراكي للبعد الصوري البصري للأشياء عامة وهو ما استنبطه « شاكتر » من خلال أبحاث أجريت على مرضى يعانون خللاً في المستوى الدلالي مع ثبات أو سلامة الشكل البصري للكلمات (ينظر : بن عبد الله محمد 98 : 2019) وهو ما يثبت ارتباط الذاكرة بالإدراك في النشاط اللغوي حيث ينتج عن تعذر ارتباط الإدراك الصوري بأشكال الكلمات المخزنة في الذاكرة بمدركاتها اضطرابات لغوية استقبالية وانشائية .

لا يمكن إدراك الأشياء دون ذاكرة فهي أهم عامل من عوامله، حيث يرتبط الشيء المدرك حديثاً بما تم تخزينه في الذاكرة طويلة المدى لترتبط الذاكرتان ذاكرة العمل المتعلقة بالمدرك والذاكرة طويلة المدى ويتوقف إدراك الشيء، سواء كان عقلياُ أو حواسيًا، على ما تم تخزينه . أمّا في مجال التواصل اللغوي يرتبط الإدراك بنوعي الذاكرة السمعية والبصرية فإن كان التواصل لفظياً تتم الاستعانة الذاكرة السمعية، أمّا إذا كان التواصل نصياً (القراءة) يكون الاعتماد على الذاكرة البصرية فإنّ إدراك الرسالة الموجهة للمتلقي لا يمكن أن يتم إلّا من خلال الرجوع إلى ما تم تخزينه في الذاكرة بكل أنواعها ,فلايدرك الدماغ مكونات الخطاب كوحدات متراتبة أو مجمعة، بل يدركها كنسق ذو بنية مترابطة الوحدات ويعتمد في إدراكه لها على العلاقة القائمة بينها وما تحيل إليه في الذاكرة .

2. الإدراك من منظور لساني 

أثبتت الدراسات الحديثة في العلوم العصبية أنّ المناطق الدماغية المسؤولة عن النشاط اللغوي تحتوي على مناطق تحتية مسؤولة عن الإدراك اللغوي، سواء تعلق الامر بالإدراك الحسي للأصوات أو الإدراك المفاهيمي لها، وكذا الإدراك المفاهيمي المتعلق بالدلالة وتوجد هذه المناطق في الباحة الصدغية في شق الأيسر من الدماغ بالنسبة لمستعملي اليد اليمنى، والشق الأيمن من الدماغ بالنسبة لمستعملي اليد اليسرى ,أمّا فيما يخص الدراسات اللسانية فإنّ أهم ما وجدناه يتمثل في نموذج الإدراك الذي قدمه نوام تشومسكي في كتابه الطبيعة الصورة للغة (La nature formelle du langage) حيث أعطى مفهوم الإدراك حيزاً واسعاً في العملية اللغوية بعدما اتسمت نظريته بالشكلية في مراحل السابقة، لكن قبل الحديث عن نموذج تشومسكي سنعود إلى مفهوم أقدم ظهر مع بدايات الدراسات اللسانية مع « فردينان دو سوسير» ونقصد هنا مفهوم الصورة الذهنية وهو مصطلح سابق لمصطلح المدلول إذ نجد بعد الفحص والتأمل في هذا المفهوم أنه ذو بعد معرفي وهو قائمٌ على الإدراك .

2.1. الصورة الذهنية

وهي ما اصطلح عليه « فردينان دي سوسير» في بداية الأمر للتعبير عمّا سماه لاحقاً المدلول, وهي ما يتصوره الذهن عندما يتصل بالكتلة الصوتية المتمثلة في الصورة السمعية التي اصلح عليها لاحقاً بالدال ,أي أنّ الدليل اللغوي لا يربط شيئاً بمسمى إنمّا صورة ذهنية بصورة سمعية .وقد تناول هذا المفهوم لدى حديثه عن الجانب الطبيعي في اللغة حيث قال : «إنّنا نستعمل الأجهزة المتدخلة في فعل الكلام حتى نتكلم تماماً كما نستعمل أرجلنا لكي نمشي ( De Saussure 2015 : 16) وفي هذا القول إقرار صريح بالجانب العضوي التشريحي للغة الذي يتضمن مسارات الإدراك لديه وهو يتحدث عن هذا في كتابه « دروس في اللسانيات العامة» عندما تناول مكانة اللسان مقابل الأفعال اللغوية، إذ يقول :

« حتى نتمكن من فهم مكانة اللسان مقابل اللغة يجب أن نضع أنفسنا أمام الكلام الذي يعد فعلًا فردياً يتطلب شخصين على الأقل..... ويعد منطلق هذه الحلقة الدماغ من جهة, حيث تتم عمليات الإدراك وهو ما نسميه مجال المفاهيم التي ترتبط بالدول اللسانية عبر الصور السمعية ... ونفترض أيضًا أن مفهوماً ما يمكن أن يثير في الدماغ صورة سمعية موافقة له. إنه مسارٌ فيزيائي تليه مسارات فيزيولوجية متعلقة بالأوامر التي يعطيها الدماغ لجهاز النطق» (De Saussure 2015 : 18)

يتضمن هذا القول تحليلاً دقيقًا للعمليات المعرفية التي تحدث في الدماغ خلال عمليتي الاستيضاع والتوضيع كما يبين أن » دي سوسير« تحدث عن الإدراك , وهو ما يعني أن اللسانيات الحديثة قد اهتمت به ,حتى وإن كان خارجًا عن ذات اللغة فقد أورده ضمن تناوله للجانب الفيزيولوجي للعملية اللغوية من خلال ما يدعوه بالبصمة الناتجة عن إدراك الصور السمعية للكلمات التي عرفها بكونها الأثر النفسي الذي يحدثه الصوت في دماغ المتلقي .

2.2. نموذج الإدراك لنوام تشومسكي 

حاول تشومسكي من خلال نموذج الإدراك أن يفسر العوامل المتدخلة في العملية الإدراكية التي تمكن (المتكلم – المستمع ) من فهم المدخلات اللغوية وماوراء لغوية التي تسمح له بإعادة الإنتاج والتواصل وقد أعطى بذلك الإدراك المكانة التي تليق به في مجال الدراسات اللسانية ,إذ تحدث في غمار عرضه لمفهوم التأدية في كتاب « الطبيعة الصورية للغة » عمّا سماه نموذج الإدراك وقد تطرق لهذا الأمر ردًا على النقد الذي وجه إليه بسبب أن مفهوم الملكة قد طغى عليه كثيرٌ من التجريد فمن المستحيل وجود (متكلم-مستمع) مثالي كما افترضه « تشومسكي» .إن الناظر في الثنائية ( ملكة-تأدية) يستخلص أن التأدية انعكاسٌ مباشر للملكة وهو ما لا يمكن تحققه لأنّ الكلام التلقائي كثيرًا ما لايتطابق مع القواعد اللغوية,فقد يعمد الفرد إلى إجراء تغيير على جملة ما فيبترها ليواصل كلامه بجملة أخرى لا تمت للأولى بصلة , كما قد يكون عرضةً للسهو واللحن أو عدم الانتباه ,لهذا لا يستقيم اعتبار التأدية انعكاساً للملكة التي تمثل المعرفة الضمنية المثالية القارة في أدمغة المتكلمين .إنّ الملكة تتعدى حدود كونها تلك المعرفة التي لا يعتريها نقص فهي القدرة على فهم وانتاج عدد غير منته من الاحتمالات انطلاقا من عدد محدود من المعطيات ونجد تشومسكي في موضع آخر يرى أنّ مفهوم الملكة ربط بين المعرفة والتجربة، وهذه النظرة لا يمكن أن تختص بمفهوم الملكة دون مفهوم التأدية، إذ يقول :

« أعتقد أننا إذا تفحصنا المشكل التقليدي لعلم النفس والمتمثل في تفسير ووصف المعرفة الإنسانية لا يمكن أن نتفادى الاصطدام بغياب الربط بين المعرفة والتجربة، وفي حال اللغة نتحدث عن الربط بين النحو التوليدي الذي يمثل الملكة اللسانية، وبين المعطيات الزهيدة التي يبن عليها هذا النحو» (Chomsky 1976 : 115)

لقد حضي مفهوم الملكة لدى تشومسكي باهتمام بالغ فقد جعل النحو برمته قائمًا لوصفها، ونجده في الوقت نفسه يتساءل عن البنية الي يمتلكها العقل حي يتمكّن من بناء نحو ما انطلاقًا من معطيات المعاني، ونحن نرى أن في هذا التساؤل تقديما لنظريته التي يساوي فيها بين كل من الملكة والنحو التوليدي. إذ يقول في كتابه «اللغة والفكر» : يمكن أن نسلم بوجود بنية فطرية تكون غنية كفاية لتفسير وربط التجربة أو الواقع بالمعرفة أو المضمون الفكري (Chomsky 1976 :116) وقد وجدنا هذا الكتاب غنيًّا بالتعاريف والمقدمات الي تطرح مفهوم الملكة وعلاقته بالإدراك,حيث يرى أن فهم كيفية اكتساب اللغة واستعمالها أيضًا يستدعي نوعا من التجريد، تجريد نظام إدراكي يتكوّن في مراحل الطفولة الأولى .

قد نتساءل هنا عن كيفية دراسة وإمكانية دراسة ظاهرة مجردة تتمظهر من خلال انعكاس غير مثالي لها , إذ لا وجود لها خارج إطار الممارسة التي أثبت الواقع عدم مطابقتها ,كيف يتم الكشف عن هذه القواعد المضمرة التي يمتلكها الإنسان من خلال معطيات قد ينتابها الخطأ ؟ إن السبيل إلى معرفة هذا المدرك الضمني يتوجب علينا العودة إلى تحديد » تشومسكي« لمادة الدرس اللساني إذ يقول : « إن النحو التوليدي قائم من أجل وصف ملكة المتكلمين . » (Chomscky 1956 :18 )

إن تشومسكي في تفريقه بين كل من الملكة والتأدية جعل هذه الأخيرة تجسيدًا للملكة في فعل الكلام، وجعل الملكة بذلك النظام الضمني الذي يحكم الفهم والاستعمال في آن واحد، وعليه نستنتج أن الملكة في حد ذاتها نظام كامن يقنن لكيفية الرّبط بين الصّوت والمعنى، أي بين الصورة الذهنية للدَّليل وصورته السمعية.

وهو يدعونا إلى تصور أن هذا النموذج يربط بين الصوت والمعنى بطريقة خاصة يمكن أن تمثل بالشكل الآتي :

Image 1000020100000280000001172D08A54DB0D0A5C1.png

MP نموذج الإدراكModèle de perception (Chomscky 1969 :125 )

يمكن أن نستنتج من الشكل السابق أن عمليتي الفهم والانتاج تتطلبان تدخّل معلومات خارجة عن إطار اللسانيات، وتتمثل في كل ما يشكل ملابسات الخطاب هذا بالإضافة إلى كل المعلومات التي تمس بنية اللغة، وهذا يعني أن النموذج المقدّم من قبل تشومسكي يتضمن النحو بالمعنى الذي قدمته النظرية التوليدية التحويلية ومن هنا يمكن أن نقول إِنَ نموذج الإدراك يربط بين الصوت والمعنى، لكنّه يتطلب معلومات أكثر بكثير مما قد يتطلبه النحو، وهو حيز الإدراك بالمفهوم المعرفي حيث يقوم كل من المتلقي والمتكلم بتحليل الاشارة باعتبارها مدخلا (input) إذ يقوم الدماغ بتحليل المدخلات وفق MP حتى يتمكن من فهمها والرد عليها في شكل تثميلات (représentation) صوتية ودلالية وتركيبية التي نجدها في شكل مخرجات (output) تتحول إلى مدخلات بفعل تبادل الأدوار. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه مقيد بحدود الذاكرة، والوقت، وتنظيم استراتيجيات الإدراك عامةً.

وعليه يرى «تشومسكي» أنّنا حتى لو وصفنا النحو بكونه نظامًا من القواعد التي تطبق ضمن تنظيم معين لربط الصوت بالمعنى، فإنّه غير قادرٍ على أن يصف لنا نموذجًا للتأدية كالذي يقدمه لنا نموذج الإدراك. (Chomscky 1969 :127)

إنّ نموذج الإدراك كما وصفته النظرية التوليدية التحويلية قدم أساساً لمواجهة الانتقاد الذي تلقته نظرًا للأهمية التي أولتها للملكة بمقابل التأدية فقد تحدث كلٌ من « جاك موشلير» و« أنتوان أوشلان» عن أسبقية دراسة الملكة على التأدية لدى تشومسكي وقد أوردا تعريفاً نود أن نقدمه قصد إبداء حجتهما، إِذْ يقولان :

« فرق تشومسكي بين الملكة والتأدية، ففي حين أن التأدية استعمال للملكة... نجد أن الملكة تحيلنا إلى نظام من القواعد الضمنية وإلى فهم اللغة ... بمعنى أكثر دقة نقول إن الملكة تحدّد نظامًا داخليًا من القواعد (نحو)، نظام يجمع بين الصوت والمعنى، أو سلاسل من الإشارات السمعية بالتفسيرات الدلالية المرافقة لها.» ( (Moeschler et Auchlin 2000 : 78 )

وقد رد على هذا النقد بقوله : 

« إن النحو التوليدي يُعد العلم الوحيد الذي تناول التأدية بالدراسة بعد الفنولوجيا« ، كما أنّ الحديث عن الحد من الذاكرة، أو الخروج عن بعض القواعد لمقتضيات دلالية يمكن أن يضيء بعض جوانب دراسة التأدية، دون أن ننسى بعض الخطوات المنهجية التي قد تعثر تطوير نظرية خاصة بالتأدية المحققة ,وعليه فإن هذا النقد غير مؤسس» ( Chomsky 1971 : 30)

نجد في هذا القول حديثٌ عن بعض المعطيات المعرفية المتدخلة في النشاط الإدراكي كالذاكرة وقد استعملها تشومسكي لتفسير بعض جوانب دراسة التأدية التي تكاد النظرية التوليدية التحويلية تنفرد بها وهو ما يرتبط مباشرةً بنموذج الإدراك.

خاتمة

بعد هذا العرض المفصل للمفاهيم نخلص إلى أن « تشومسكي » قدم في كتابه نموذجاً يفسر تدخل الإدراك في العملية اللغوية فقد أدت به ثنائية ا(لملكة والتأدية) إلى النظر في هذه الجزئية من خلال تصديه للنقد الذي لاقاه إثر تقديمه للملكة على التأدية وقد شرح في كتابه « الطبيعة الصورية للغة » آليات الانتاج اللغوي الذي ارتبط بمفهوم الإدراك ,ممّا لفت أنتباهه إلى أهمية النشاط الإدراكي سواء تعلق الأمر بالإنتاج أو التلقي بمعنى آخر التأدية أو الملكة بالمعنى التقني للمصطلح, فقد بين نموذج الإدراك أنه يعادل مفهوم النحو بالمعنى الذي قدمته النظرية التوليدية التحويلية فهو يربط بين الصوت والمعنى، لكنّه في ربطه هذا يتطلب معلومات خارجة عن الاطار اللغوي وهو ما يعني الإدراك بالمفهوم المعرفي, حيث يقوم المتلقي بتحليل الاشارات باعتبارها مدخلات (inputs) ليقوم بتوضيعها ليتمكن من فهمها والرد عليها في شكل مخرجات (outputs) .

وقد وجدنا خلال بحثنا أنّ تشومسكي لم ينفرد بهذا التصور فقد تناول فردينان دي سوسير الإدراك بشكل ضمني من خلال ثنائية (الدال والمدلول) وذلك عبر مفهمومي الصورة الذهنية والبصمة .إن هذا يعني أن اللسانيات الحديثة قد اهتمت به ,حتى وإن كان خارجًا عن موضوع اللسانيات كما حدده فردينان دوسوسير ,إذ تناوله لدى حديثه عن الجانب الطبيعي في اللغة فقدم تحليلا دقيقا للعمليات المعرفية التي تحدث في الدماغ خلال عمليتي الاستيضاع encodage والتوضيع décodage فربطه بالبصمة الناتجة عن إدراك الصور السمعية للكلمات التي عرفها بكونها الأثر النفسي الذي يحدثه الصوت في الدماغ.ورغم ذلك يبقى نموذج تشومسكي الأنضج والأكثر بلورة لما يتضمنه من معطيات خارجة عن الإطار اللغوي تبين كون النشاط اللغوي عملية على قدر كبير من التعقيد وهو ترمي اللسانيات إلى الإحاطة به من خلال الدراسات المختلفة.

بن عبد الله محمد,علم النفس المعرفي نماذجه ومواضيعه الأساسية,ديوان المطبوعات الجامعية, الجزائر,2019

بيار اوليرون، تر محمود براهم، اللغة والنمو العقلي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2005.

محمود فتحي عكاشه، علم النفس العام، مطبعة الاسكندرية، مصر، 2000 .

Chomsky, Noam. Aspects de la théorie syntaxique, Editions Le Seuil, Paris, 1971 -

Chomsky, Noam. Le langage et la pensée, Payot, Paris, 1969.

Dokic, Jérôme. Qu'est-ce la perception, Chemins philosophiques, Paris, 2004.

Dokic, Jérôme. Le dualisme (forme/ contenu) et la théorie de la perception, HAL, Genève, 2002.

Moeschler, Jaques et Auchlin, Antonie. Introduction à la linguistique contemporaine, Armand –Colin, Paris, 2000.

© 2017 Aleph, langues, médias et sociétés